Monday, August 09, 2021

تونس.. الصورة ليست كاملة


إن تونس، تلك البلدة الصغيرة من حيث المساحة، الكبيرة من حيث التاريخ، والشابة النابضة بالحياة من حيث الديموغرافيا، والتي تقع في واحدة من أجمل بقاع الأرض جنوب البحر المتوسط، هي دولة مليئة بالعجائب من حيث ديناميكيات السياسة الداخلية بها التي تحددت معالمها بفعل ما مرت به، على مر تاريخها، من تحولات سياسية حادة أسفرت عن تغيرات كبيرة في النظام الاجتماعي والسياسي التونسي، وأغرقت المراقبين في سيل من الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها حول شرعية ودوافع كل هذه التحولات، وجدواها، وقدرة الدولة المذهلة على التعافي السريع من آثارها الجانبية.


في العقد الماضي وحده، مرت تونس بعدة تحولات سياسية متطرفة. تبرز ثلاثة منها على أنها أكثر نقاط التحول حسماً في تاريخ تونس الحديث. هم: (١) الثورة الشعبية التي أسقطت ديكتاتورية بن علي، وألهمت موجات ثورات الربيع العربي التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أعوام ٢٠١٠-٢٠١١؛ (٢) تنحي الإسلاميين عن الحكم استجابة لاحتجاجات شعبية حاشدة في عام ٢٠١٣؛ (٣) الوفاة المفاجئة للرئيس الباجي قائد السبسي وسط تصاعد أزمة الفساد السياسي والركود الاقتصادي، في عام ٢٠١٩.


المثير للدهشة أن الدولة التونسية تمكنت من تجاوز كل هذه التحولات السياسية الضخمة دون التأثير على تماسك الدولة أو إصرار الشعب على متابعة العملية الطموحة لإرساء الديمقراطية. في الوقت الحالي، يدور أحد الأسئلة المحيرة بخصوص تونس حول قدرة الدولة المنهكة بالفعل على الصمود في وجه الاضطراب السياسي الذي اشتعل مؤخراً نتيجة لعاصفة القرارات المحورية التي أتخذها رئيس الدولة قيس سعيد، في أواخر يوليو، ضد السلطتين الموازيتين له في نظام الحكم البرلمان والحكومة.


في خطوة مفاجئة، شن الرئيس سعيد، ليلة ٢٥ يوليو، حربا شرسة ضد الحكومة والبرلمان التابعين لنظامه. اعتمد سعيد، الذي عمل طوال حياته أستاذًا للقانون الدستوري، الصلاحيات الممنوحة له بموجب المادة ٨٠ من الدستور التونسي للاستحواذ على جميع سلطات الدولة المدنية والعسكرية. برر سعيد الإجراءات الصادمة بضرورة السيطرة على المخاطر الداهمة المتوقعة إثر الاحتجاجات الغاضبة التي اندلعت في جميع أنحاء تونس، صباح ذلك اليوم، ضد إخفاقات النظام الحاكم في إدارة شؤون الدولة وإصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور. منذ ذلك التاريخ، أقال سعيد رئيس الوزراء، وما لا يقل عن نصف أعضاء الحكومة الوزارية، بمن فيهم وزراء الدفاع والداخلية والعدل والمالية، وأيضاً بعض المحافظين. كما أعلن تعليق جميع الأعمال التجارية والأنشطة الحكومية باستثناء المؤسسات الأمنية والصحية والتعليمية.


ما إذا كانت تونس قادرة على التغلب على هذا الزلزال السياسي، ومتى سينتهي بالضبط، هو سؤال يصعب الإجابة عليه بينما لا تزال وقائع الاضطرابات تتكشف، والتحيزات الشديدة تسيطر على أغلب وسائل الإعلام بشأن حقيقة ما يجري في داخل تونس. من ناحية، يحاول الإسلاميون والأبواق الإعلامية المتحيزة لهم تصوير الأمر على أنه انقلاب قام به رئيس الدولة قيس سعيد، وراحوا يطلقون صافرات الإنذار في كل مكان حول فشل مشروع الديمقراطية في تونس، بل ويهددون بدخول التنظيمات الإرهابية إلى البلاد، على غرار ما حدث في معظم دول الربيع العربي الأخرى. من ناحية أخرى، تصّر وسائل الإعلام المعروفة بمحاربتها لأجندة الإسلاميين في المنطقة على مناقشة قرارات سعيد في إطار المعركة الإيديولوجية الدائرة على المستوى الإقليمي ضد جماعات الإسلام السياسي. إلا أن الهوى أعمى، ولذلك فإن أياً من الجانبين المنحازين يميناً ويساراً لم يتمكن من تقديم جوهر القصة الجارية الآن في تونس بالدقة المطلوبة.


لفهم حقيقية الوضع في تونس، يجب النظر بتدقيق شديد إلى ثلاث نقاط رئيسية. الأولى تتعلق بإدعاء أن الديمقراطية في تونس في خطر، وهذا يترتب عليه سؤال مهم آخر حول ما إذا كانت تونس دولة ديمقراطية من الأساس. النقطة الثانية هي ما إذا كانت قرارات سعيد، التي اتخذها بصفته رئيسًا منتخبًا للدولة وبما يتفق مع نصوص الدستور المعمول به في البلاد، تهدف إلى الإضرار بالدولة التي يتولى هو قيادتها، ووجوده في السلطة، بل وسلامته الشخصية، تعتمد بشكل كبير على عافية هذه الدولة وسلامتها. أما النقطة الثالثة التي يجب مراعاتها هي الادعاء بأن هذه معركة عقائدية أو ذات دوافع أيديولوجية بين العلمانيين والإسلاميين على السلطة، بدلاً من كونها حربًا سياسية يقودها رئيس الدولة ضد الفساد ومن أجل تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي، الذي يطالب به المواطنون منذ شهور. 



لماذا انتفض قيس سعيد؟ 


إن فهم ما دفع الرئيس التونسي، قيس سعيد، لشن هذه الحرب القاسية ضد الحكومة والبرلمان التابعين لنظامه، هو مفتاح مهم لتقييم ما إذا كانت تونس ستنجو من هذه الصدمة الكبرى. لم تكن الاحتجاجات الغاضبة الحاشدة التي اندلعت في جميع أنحاء تونس في ذكرى يوم الجمهورية، ٢٥ يوليو، وأدت إلى انتفاضة سعيد استجابة لمطالب الشعب، هي الأولى من حيث الحجم والأسباب. منذ شهر مارس، لم تتوقف المظاهرات في شوارع تونس، مطالبة بمحاسبة النخبة السياسية على الفساد الذي ضاعف معاناتهم مع الفقر والمرض، خاصةً بعد انتشار جائحة فيروس كورونا. 


بحسب إحصائيات حكومية، تضخمت معدلات البطالة من ١٤٪ إلى ١٧.٤٪ في الربع الأخير من عام ٢٠٢٠، نتيجة الانكماش الاقتصادي الذي بلغ معدل قياسي ٨.٢٪ في سبتمبر ٢٠٢٠. وفقًا لمسح أجراه البنك الدولي بالتعاون مع المعهد الوطني للإحصاء، وهو هيئة حكومية، في عام ٢٠٢٠، بلغ معدل الفقر في تونس ١٥.٢٪، وأفاد ما لا يقل عن ٣٠٪ من الأسر التي شاركت في المسح الإحصائي، بأنهم يخشون نفاد الطعام من بيوتهم، بسبب وباء كورونا الذي زاد من معاناتهم مع ارتفاع معدلات البطالة والتدهور الاقتصادي. يضاف إلى البؤس الذي يعاني منه التونسيون، ارتفاع معدلات حالات الإصابة بفيروس كورونا، بما تجاوز ألفي حالة جديدة يوميًا في منتصف يوليو، مما أجبر الدول المجاورة على إغلاق حدودها مع تونس أو تعليق الرحلات الجوية إليها، لتصبح تونس بمثابة سجن كبير لأهلها.


إن نظام الحكم المعمول به حالياً في تونس، والمعروف باسم نظام الرئاسات الثلاث، هو أحد الأسباب الرئيسية لفشل الدولة في الخروج من هذا المأزق الاقتصادي. خوفًا من الوقوع مرة أخرى في براثن سلطوية الدولة العميقة، تم تصميم دستور ما بعد الثورة في تونس بحيث يكون فيه نظام الحكم لا هو رئاسي ولا برلماني، بالشكل المألوف، بل هو نظام جديد يقوم على موازنة عملية صنع القرار بين ثلاث سلطات أو "رئاسات" كما يسميها التونسيون وهم: رئيس الدولة، رئيس الحكومة، ورئيس البرلمان.


نظرياً، قد يبدو نظام "الرئاسات الثلاث" وكأنه نظام ديمقراطي مبتكر يشمل الجميع ولا يستثني أحداً. ولكن، عند تطبيقه في الواقع، أثبت هذا النظام فشله. على مدى ثلاث سنوات، منذ انتخاب قيس سعيد، خلفاً للسبسي في ٢٠١٩، لم تستطع تونس تحقيق أي تقدم ملموس في ظل الرؤساء الثلاثة الذين لم تكن أجنداتهم ورؤاهم متباينة فحسب، بل متناقضة ومتنافرة أيضًا. وصل الصراع بين السلطات الثلاث الحاكمة في تونس إلى ذروته في منتصف شهر مارس، بطريقة أحدثت شلل في عملية صنع القرار السياسي، وأدت إلى إيقاف عجلة الاقتصاد المتعثر أصلاً، ومن ثم خرجت الاحتجاجات الشعبية بأعداد هائلة مطالبة بالإصلاح. 


بناءاً عليه، قرر قيس سعيد، الرئيس الهادئ ذو اللسان العربي الفصيح، الذي ينحدر من خلفية غير سياسية وغير حزبية، الوقوف إلى جانب الشعب في حربه ضد النخبة السياسية الفاسدة. بدافع من مسؤوليته تجاه أكثر من أحد عشر مليون مواطن، وخبرته التي امتدت لعقود كأستاذ في القانون الدستوري، قرر سعيد تعليق نظام الرئاسات الثلاث لفترة، عن طريق إيقاف عمل الحكومة والبرلمان ووضعهما تحت سلطته، حتى يتمكن من التعامل مع القضايا ذات الأولوية القصوى بالنسبة للشعب التونسي، وعلى رأسها وضع حد لانتشار الفقر ومحاربة الوباء. هذا باختصار حقيقة ما يحدث في تونس اليوم، بعيداً عن كل النعرات الإعلامية التي تحاول تحميل الأمر بصبغة أيديولوجية لا علاقة لها بمعاناة أهل تونس. 


في رسالة مصورة نشرها مكتب الرئاسة التونسية، يوم الأحد الأول من أغسطس، قال الرئيس قيس سعيد أنه لا يسعى لإرساء نظام سلطوي، وأكد أنه "لا يوجد تراجع عن احترام الحقوق والحريات، ولا مجال للتعدي عليها". وأشار بوضوح إلى أنه اختار بمحض إرادته الوقوف إلى جانب الشعب "للحفاظ على وحدة الدولة وحمايتها من الفساد الذي نخر مفاصلها". واختتم سعيد رسالته بالقول: إن شاء الله سننتصر، إنها حرب لكن بلا رصاص ولا دماء، إنها حرب قائمة على القانون، حرب من أجل العدل والحرية".



ليس انقلاباً على الإسلاميين 


بمجرد أن تلا الرئيس التونسي قراره التاريخي بتجميد البرلمان، ليلة ٢٥ يوليو، خرج الإسلاميين، والأبواق الإعلامية المؤيدة لهم، على منصات التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام التقليدي، على الفور، مدعين أن قرارات سعيد هي "انقلاب" ضد الإسلاميين. وغردت شخصيات عالمية شهيرة، مثل الصحفية اليمنية الحائزة على جائزة نوبل، توكل كرمان، وعضو البرلمان البريطاني والرئيس السابق لحزب العمال، جيريمي كوربين، لتعزيز هذه الأكذوبة. مثلاً غرد كوربين على حسابه في تويتر، باللغة العربية، إن "الأحداث في تونس لها كل العلامات المميزة للانقلاب والاعتداء على المكتسبات الديموقراطية خلال العقد الماضي. كل التضامن مع أولئك المدافعين عن الحقوق الديموقراطية والحريات، والدعم الكامل لاستعادة العمل للبرلمان المنتخب ولإنهاء القمع". هذا في الوقت الذي امتنعت فيه كل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى الرئيس التركي المعروف بتأييده للإسلاميين في تونس وغيرها، عن وصف ما يجري في تونس على أنه انقلاب.


من المفارقات، أن مروجي مثل هذا الادعاء المعيب، حاولوا مقارنة ما يحدث حاليًا في تونس بما حدث في مصر في يونيو ٢٠١٣، عندما اضطر الجيش للاستجابة للاحتجاجات الشعبية التي كانت تطالب بإزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة. دعنا من سخافة هذه المقارنة، ولكن حتى طفل في المرحلة الابتدائية يستطيع أن يفهم أنه لا يمكن اتهام رئيس دولة منتخب بارتكاب انقلاب لأنه اتخذ بعض القرارات بشأن هذه الدولة في إطار السلطات الممنوحة له في الدستور. إن اختصار المأساة التونسية الحالية في نزاع أيديولوجي بين قيس سعيد وإسلاميي حزب النهضة هو تضليل وخداع متعمد، يتجاهل تماماً نداءات الشعب التونسي لإنهاء معاناته الاقتصادية من خلال الإصلاح السياسي. إن المعركة التي يقودها سعيد حالياً، ليست ضد الإسلاميين لأنهم إسلاميين، ولكن هي معركة من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي. يجب أن يُنظر إلى قرار سعيد بتجميد البرلمان، الذي يهيمن عليه الإسلاميون، في إطار الصورة الأكبر لنظام الحكم المعطل في تونس، ومن خلال عدسات سياسية وليست أيديولوجية.


إن الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين ليس هو الدافع الأساسي للاضطرابات السياسية الحالية في تونس. هذا الخلاف الأيديولوجي هو صراع بين الفصائل المتناحرة في النخبة السياسية، وليس معركة تخص الشعب، الذي يعاني الجحيم على يد هذه النخبة الفاشلة. هؤلاء السياسيون فشلوا في خدمة مصالح الشعب الذي انتخبهم. لقد أساء كل من الأحزاب الإسلامية والعلمانية التونسية استخدام الديمقراطية لتحقيق مصالحهم السياسية الضيقة على حساب المواطنين. والآن قررت الجماهير محاسبتهم وقرر رئيس الدولة، الذي يأتي من خلفية غير سياسية وغير حزبية، الوقوف في صف الشعب في هذه المعركة.



لا خوف على الديمقراطية 


في السنوات الأولى التي أعقبت ثورات الربيع العربي، والتي بدأت بإسقاط نظام بن علي في تونس ونظام مبارك في مصر، أشار الأكاديميين في الغرب إلى مصر وتونس باعتبارهما التجربتين الناجحتين الوحيدتين من بين دول الربيع العربي. على الرغم من الاختلافات الديموغرافية والاجتماعية العديدة بين مصر وتونس، كان يحلو لهم تشبيه البلدين وتجاربهما السياسية ببعضهما البعض. بنى معظمهم هذا التفاؤل بشأن عملية التحول الديمقراطي في مصر وتونس، على معامل واحد هو صعود الإسلاميين، من جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس، إلى رأس السلطة السياسية عبر الممارسة الانتخابية. 


لقد أعماهم هواهم عن الاعتراف بأن الإسلاميين أساءوا استخدام الديمقراطية للوصول للسلطة، وأنهم في الحقيقة لا يؤمنون بالديمقراطية أصلاً، وبعد أن استحوذوا على السلطة، بدا منهم نفس الممارسات الفاسدة التي ارتكبها أسلافهم في الأنظمة الاستبدادية. استغرق المصريون عام واحد فقط لإدراك هذه الحقيقة والتخلص من الإسلاميين من خلال ثورة شعبية دعمها الجيش في يونيو ٢٠١٣. في المقابل، لا يزال التونسيون يكافحون حتى اليوم ضد الإسلاميين الفاسدين الذين تسلقوا سلم السياسة في لحظة وهن الدولة. 


بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في مصر، عام ٢٠١٣، مال نفس الأكاديميين إلى المبالغة في وصف تونس بأنها "الديمقراطية الناجحة الوحيدة في العالم العربي"، بزعم أنها الدولة الوحيدة من بين دول الربيع العربي التي استطاعت استيعاب وقبول وجود الإسلاميين في السلطة. نفس الأكاديميين، اليوم، يطلقون صافرات الإنذار بأن الديمقراطية في تونس في خطر كبير، لأن قيس سعيد قرر محاسبة السياسيين، وفي مقدمتهم حزب النهضة الإسلامي، على ما مارسوه من فساد. وذهب بعض المروجين لأجندة الإسلاميين على وسائل الإعلام الاليكترونية والتقليدية إلى حد وصف سعيد بالإنقلابي الذي هدم صروح الديمقراطية. في كلا الموقفين، ارتكب هؤلاء المحللين والأكاديميين أخطاء كبيرة، أو على الأقل كانوا عاطفيين للغاية وسريعين للغاية في إصدار الأحكام بشأن الوضع المأسوي في تونس.


إن لديمقراطية المزعومة في تونس، التي تتمثل في إجراء انتخابات بشكل منتظم واعتماد دستور مثالي جداً على الورق لكنه غير قابل للتطبيق في الواقع، قد فشلت في تحسين حياة المواطنين. على العكس من ذلك، فقد تم استغلال هذه الديمقراطية بشكل بشع من قبل النخبة السياسية العلمانيين والإسلاميين على حد سواء بطريقة أدت إلى تعظيم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للناس بدلاً من تخفيفها. لذلك، يستطيع العالم أن يعفي نفسه من كل هذا القلق الذي انتابه مؤخراً بشأن مستقبل الديمقراطية التونسية، بعد قرارات قيس سعيد، لأن الديمقراطية في تونس لا يمكن أن تصل لحالة أسوأ مما هي عليه الآن بالفعل.



كيف نحمي تونس من لعنات الربيع العربي؟


ليس السؤال الصحيح بشأن تونس هو كون ما يجري الآن على يد رئيس الدولة قيس سعيد هو انقلاب أم حق دستوري. مشكلة تونس أصبحت أكبر وأعمق بكثير من وجود الإسلاميين في السلطة أو استمرار الخلاف بين مفاصل نظام الحكم المكون من ثلاث رئاسات متنافرة ومتناحرة فيما بينها. إن ضمان سرعة تعافي الدولة التونسية واستمرارها هو السؤال الأهم على الإطلاق في المرحلة الحالية. لا يقتصر ذلك على ضرورة الإسراع في إنعاش البلاد اقتصادياً أو وضع البلاد على المسار الصحيح نحو بناء الديمقراطية، لكن يجب أن يشمل أيضاً وضع برنامج واضح ومتماسك للقضاء على الفساد وبدء عملية الإصلاح الاقتصادي. في اتصال مباشر مع الرئيس التونسي قيس سعيد، في الأسابيع الماضية، عرض العديد من القادة العرب الذين رفض سعيد تسميتهم مساعدة تونس على التعافي من كسادها الاقتصادي. 


هذا يتطلب أولاً مساعدة الرئيس قيس سعيد في اجتياز الاضطرابات الحالية وإعادة الدولاب السياسي للعمل مرة أخرى في أقصر وقت ممكن. مع الأسف، من المستبعد كثيراً أن يتمكن سعيد من القيام بذلك قبل نهاية الثلاثين يومًا التي تم فيها تجميد أعمال البرلمان، أي قبل تاريخ ٢٤ أغسطس، ولكن يجب أن يحدث هذا في أقرب وقت ممكن لتجنب اندلاع اعمال العنف داخل البلاد أو استغلال التنظيمات الإرهابية لحالة الفوضى السياسية الحالية والنفوذ إلى داخل تونس، على غرار ما حدث في دول الربيع العربي الأخرى. ليس سراً أن قطاع كبير من التنظيمات الإرهابية الموجودة على الأراضي الليبية، المجاورة لتونس، قامت بتجنيد الكثير من الشباب التونسي المتطرف دينياً في السنوات الماضية. 


يوم الخميس ٣٠ يوليو، في أول نشرة إعلامية بريدية قام بتوزيعها تنظيم داعش الإرهابي بعد قرارات قيس سعيد مباشرةً، كتب التنظيم الإرهابي صفحة كاملة عن تونس، زعموا فيها أن الإسلاميين في تونس قد أصابتهم اللعنة التي أصابت الإخوان المسلمين في مصر، لأنهم ارتكبوا إثم ترك الشريعة والجهاد من أجل نشر دعوة الإسلام واختاروا طريق الديمقراطية والسلمية، وتوعد التنظيم باستغلال الاضطرابات القائمة في تونس لتمديد نفوذ دولته الإسلامية المزعومة في المنطقة. 


لذلك، فإن الأولوية القصوى الآن بالنسبة لتونس وجيرانها في شمال إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط كلها، وكذلك المجتمع الدولي، تتمثل في نفض آذانهم من الأكاذيب التي يحاول الإخوان ومن يقفون وراءهم من ترويجها بشأن حقيقة دوافع وأسباب الاضطرابات السياسية في تونس، وحقيقة مقاصد رئيس الدولة قيس سعيد، والتركيز فقد على مساعدة الدولة على التعافي والوقوف على أقدام سياسية قوية فوق أرض اقتصادية صلبة في أسرع وقت ممكن.