Monday, May 22, 2017

داليا زيادة: سمعة المجتمع المدنى في مصر أصبحت سيئة.. وتلك هى المشكلة - حوار في جريدة الوطن المصرية



* داليا زيادة: سمعة المجتمع المدنى أصبحت سيئة.. وتلك هى المشكلة

* مدير «المصرى لدراسات الديمقراطية»: ليس منطقياً أن تذهب لرجل جائع ومريض وليس لديه مسكن وتحدثه عن حقه فى حرية التعبير

* التشكيل الحالى لـ«قومى حقوق الإنسان» انتهت صلاحيته على مستوى القانون والأداء 

* ثقافة الشارع المصرى تميل لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية



قالت داليا زيادة، مدير المركز المصرى للدراسات الديمقراطية الحرة، إن المجتمع المدنى يمر بمرحلة خطرة فلم يدخل للمجال أى دماء جديدة خلال السنوات الخمس الماضية، ولفتت إلى أن بعض قيادات العمل الحقوقى فى مصر ما زالوا مُصرّين على خلط المدنى بالسياسى، ومواصلة الضغط على صانع القرار فى اتجاهات خاطئة تماماً، دون فهم أولويات المرحلة. وأوضحت «داليا»، فى حوارها لـ«الوطن»، أنه لا بديل للتمويل الأجنبى للمنظمات الحقوقية، لأن ثقافة الشارع المصرى تميل أكثر لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية، وأكدت أنها متفائلة بمستقبل المجتمع المدنى فى مصر، لافتة إلى أن المرحلة الحالية مرحلة فرز ستبقى على الصالح وتستبعد الطالح.. وإلى نص الحوار.


من خلال عملك فى الحقل الحقوقى.. كيف تصفين واقع المجتمع المدنى فى مصر؟

المجتمع المدنى فى مصر، بشقيه الخيرى والحقوقى، يتمتع بقوة وتاريخ يقارب قرناً كاملاً من العمل، جعله يصمد فى كل الظروف التى مرت بها مصر، من حروب وثورات وتقلبات اجتماعية وسياسية، لكن فى السنوات القليلة الأخيرة، شهدنا تراجعاً فى دور المنظمات الحقوقية المهتمة بالحقوق المدنية والسياسية فى مقابل تقدم ملحوظ فى دور المنظمات التنموية المهتمة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وربما السبب هو الأولويات التى تفرضها مرحلة إعادة بناء الدولة بعد ثورتين، والتراجع العالمى بالاهتمام بالعمل الحقوقى فى السنوات الثلاث الأخيرة بسبب التهديدات الإرهابية التى لم تترك بقعة آمنة فى العالم كله.


 وما التحديات التى تواجه المجتمع الحقوقى فى مصر وكيف يمكن مواجهتها؟

التحدى الأول والأكبر هو مسألة التحزب السياسى للمنظمات الحقوقية، وهى آفة ممتدة منذ العقد الأخير فى حكم مبارك، حيث لجأ كثيرون إلى المجتمع المدنى كمتنفس لممارسة الأنشطة التى لم يستطيعوا تنفيذها عبر الأحزاب السياسية الضعيفة وقتها، مما أدى إلى انخراط المنظمات الحقوقية فى العمل السياسى بما يخالف القانون ويخالف الأهداف المدنية التى تأسست من أجلها، فأصبحنا نرى المنظمات الحقوقية تصنف إلى ليبرالية ويسارية ويمينية، وهذا تصنيف حزبى وليس حقوقياً. 

والتحدى الثانى، هو عدم وجود مصادر تمويل كافية، خصوصاً أن عمل المنظمات الحقوقية غير ربحى، وثقافة الشارع تعزز فكرة دعم المشروعات الخيرية والتنموية بتبرعات، حتى إن رجال الأعمال المصريين والعرب يقبلون أكثر على دعم هذا النوع من المشروعات، على عكس موقفهم من المشروعات المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، كما أن أغلب الجهات المانحة الأوروبية والأمريكية توقفت عن تمويل المنظمات الحقوقية المصرية منذ عام 2012 بعد فتح قضية التمويل الأجنبى، وكل هذا أدى إلى أن عدداً كبيراً من المنظمات أغلقت تماماً، وبعضها توقف عن العمل فى مصر وانتقل لدول عربية أخرى مثل تونس، وبعضها الآخر ما زال يعمل بأقل الإمكانيات المتاحة. 

أما التحدى الثالث، فهو فى رأيى أخطرها -لو لم نجد له حلاً عاجلاً- هو قلة القوة البشرية بما يهدد قدرة الحركة الحقوقية على البقاء بشكل مؤثر لحقب مستقبلية، فمنذ نحو خمس سنوات لم يدخل المجتمع الحقوقى دماء جديدة، ولم يتم تأهيل وتقديم أجيال جديدة من الحقوقيين الشباب، ولو استمر الحال سينتهى بنا الأمر إما لوقوع فجوة بين الجيل الحقوقى الحالى والذى أنتمى له، والجيل الذى يليه والذى لا نعرف متى سيتشكل أو كيف فى ظل الأزمة الحالية، أو السيناريو الأسوأ أن يضعف العمل الحقوقى بمرور الوقت وينتهى دوره مع انتهاء الجيل الحالى.


وما سر الجفوة بين عدد من منظمات المجتمع المدنى والحكومة الحالية؟

- القضية لها بُعدان، البعد الأول يُلام عليه بعض قيادات العمل الحقوقى فى مصر الذين ما زالوا مصرّين على خلط المدنى بالسياسى، ومواصلة الضغط على صانع القرار فى اتجاهات خاطئة تماماً دون فهم أولويات المرحلة، فترى مثلاً فى الوقت الذى تحارب فيه مصر الإرهاب، يخرج من يدافع عن حقوق الإرهابيين ويصفهم بالضحايا لو قامت قوات الشرطة بضبطهم أو تصفيتهم، فى حين لا نسمع منهم شيئاً حين تقوم فرنسا أو بريطانيا بشىء مماثل. 

أما البعد الثانى فيتعلق بالتأخير فى استكمال ملفات يحتاجها الشرفاء فى المجتمع المدنى للقيام بدورهم، ومنها التأخر فى إصدار قانون الجمعيات الجديد الذى نحتاجه لنعرف حدود الإطار الشرعى لعملنا، وأيضاً التأخر فى البت فى قضية التمويل الأجنبى، وإدانة من أخطأ وتبرئة من ليس له ذنب، حيث إن استمرار فتح القضية فى حد ذاته، رغم أنها تخص عدداً محدوداً جداً من المنظمات غير الشرعية، يسىء للمجتمع المدنى كله فى عين الشارع.


 ما التمويل البديل الذى تعتمد عليه منظمات المجتمع المدنى بعد التضييق على التمويل الأجنبى؟

لا يوجد تمويل بديل للمنظمات الحقوقية للأسف، ثقافة الشارع المصرى تميل أكثر لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية، ولهذا فإن أغلب المنظمات التى ما زالت صامدة بدون تمويل حتى الآن تعتمد بالكاد على أعضائها أو مجالس إدارتها فى تمويل أنشطتها.


هل الدولة تدعم المجتمع المدنى مادياً؟

- نعم هناك دعم مادى ومعنوى كبير تقدمه الدولة ممثلة فى وزارة التضامن الاجتماعى ووزارة المالية لمنظمات المجتمع المدنى، لكنه فى أغلبه موجه للمنظمات الخيرية والتنموية، وجزء ضئيل جداً منه يوجه للأنشطة الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية بين الحين والآخر، وفى الغالب يذهب هذا الجزء الضئيل للمجلس القومى للمرأة أو المجلس القومى لحقوق الإنسان وليس للمنظمات الحقوقية المستقلة.


متى تتفهم الدولة ضرورة التمويل لاستمرار عمل المنظمات؟

- الدولة تحدد علاقتها بالمجتمع المدنى عبر القانون، والقانون بالفعل يسمح بتلقى تمويل ويعترف بأهميته، لكن هذا فقط للمنظمات التى تعمل فى إطار شرعى وتخضع لقانون الجمعيات. وفى القانون الجديد الذى لم يفعل بعد، هناك مواد تلزم الجهة الإدارية بالتعجيل فى إجراءات حصول المنظمة على التمويل لضمان استمرار عملها ونموه، المشكلة الحقيقية هى فى السمعة السيئة التى أصابت المجتمع المدنى بعد ثورة يناير بسبب الهجوم عليه، اعتماداً على إساءة قلة قليلة للعاملين به استغلال مسألة التمويل فى غير محلها.


وكيف يمكن تصحيح الصورة السلبية عن مصطلح المجتمع المدنى لدى الشارع؟

الخبر الجيد أن الأحداث التى مرت بها مصر جعلت المواطن ناضجاً سياسياً، وأصبح لديه القدرة على التمييز بين الصالح والطالح من العاملين فى مجال حقوق الإنسان، وأيضاً فرز وتقييم ما يقدم له فى الإعلام، ولكى يُصلح الجانب الشريف فى المجتمع المدنى هذا الانطباع السيئ عند المواطنين المسألة ستأخذ وقتاً ومجهوداً من جانب المنظمات، علينا أن نخرج من الصندوق الضيق الذى حبسنا أنفسنا فيه مع المواثيق الدولية والتجارب العالمية التى لا علاقة لها بواقعنا، ونعيد صياغة دورنا ورؤيتنا من جديد فى ظل أولويات هذا المواطن، فليس منطقياً أن تذهب لرجل جائع ومريض وليس لديه مسكن وتحدثه عن حقه فى حرية التعبير. أعتقد أن الأولوية الآن لدى المواطن ولدى الدولة هى فى تنمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعندما تتحقق هذه الحقوق وتستقر، سيتمكن المواطن تلقائياً من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية التى اكتسبها عبر حراك شعبى وكفلها له الدستور الحالى بالفعل.


برأيك.. متى كان المجتمع المدنى يعمل وسط أجواء من الحرية الكاملة فى مصر؟

لم يحدث هذا مطلقاً، لا فى مصر ولا فى أى دولة أخرى فى العالم، لكن أنا متفائلة أنه بعد إصدار القانون الجديد سيعتدل الحال شيئاً فشيئاً، تفعيل القانون هو أول خطوة لتحديد الإطار السليم للعلاقة بين دور الدولة الإشرافى وحرية عمل المجتمع المدنى بما يحقق مصلحة الوطن والمواطن فى النهاية.


وما تقييمك لأداء «القومى لحقوق الإنسان»؟

- الأمانة الفنية فى المجلس القومى لحقوق الإنسان رائعة، لديهم باحثون ومديرو مشروعات على كفاءة عالية مكنته من أن يحصل على التصنيف (أ) فى الأمم المتحدة فى وقت قياسى، لكن التشكيل الحالى لأعضاء المجلس وأداءهم لدىّ عليه كثير من الملاحظات، بالكاد أربعة أشخاص فى هذا التشكيل هم من لديهم خبرة حقوقية محلية ودولية يعتمد عليها، ويؤدون دورهم بإخلاص وفهم لطبيعة عمل المجلس ودوره، أما البقية فوقعوا للأسف فى فخ الخلط بين السياسى والحقوقى وربما السبب أنهم أصلاً ليسوا حقوقيين، وأحضروا معهم انتماءاتهم السياسية إلى المجلس واستغلوا مناصبهم فيه فى الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وليس دعمها وهو الدور المنوط بهم كهيئة وطنية مسئولة عن دعم الدولة فى تعزيز حقوق الإنسان بما يتناسب مع ظروفها وأولوياتها، وليس تحدى الدولة وتعمد الوقوف على السلبيات دون الإيجابيات، فقط لإيهام الرأى العام أنهم يقومون بعمل شىء، وأبرز مثال على ذلك أننا لم نرَ أى تحرك ملموس ومؤثر للتشكيل الحالى للمجلس باستثناء زيارات السجون وكتابة تقارير عنها. أعتقد أن التشكيل الحالى قد انتهت صلاحيته على المستوى القانونى وعلى مستوى الأداء أيضاً، وآن الأوان لتغييره بدماء جديدة من حقوقيين متخصصين على قدر من الكفاءة والتفهم لطبيعة الدور المنوط بهم.

Wednesday, April 05, 2017

بعد لقاء السيسي وترامب... مصر في المثلث الأقوى أثراً على العالم


إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع هي زيارة تاريخية بكل المقاييس، ليس فقط لأنها أتت بعد أربعة عقود من الشد والجذب بين الطرفين، أو لأنها الأولى التي نلحظ فيها تلك الحفاوة والإعجاب من قبل رئيس أمريكي برئيس مصري منذ السادات، وليس لأنها الأولى التي تقترب فيها مصر من أمريكا كشريك ذو رؤية ومصالح واضحة يتفاوض بشأن تحقيقها، ولكن لأن نجاح هذه الزيارة يرسم شكلاً جديداً لكوكب الأرض تحت مثلث القوى الأكثر تأثيراً في عالمنا اليوم.

هناك ثلاث زوايا لهذا المثلث، أولها بيد الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأعظم والمتحكم الرئيسي في كل المجريات السياسية والاقتصادية التي تسير عالمنا، وثانيها بيد روسيا، التي لها نفوذ كبير عبر قوتها العسكرية والناعمة أيضاً على كل ما هو شرقي، بدءاً من شرق أوروبا إلى شرق منطقتنا أيضاً، لدى روسيا علاقات ومصالح مؤثرة مع إيران وسوريا وكثير من دول الخليج العربي، وثالث هذه الزوايا قد أصبح اليوم وبعد هذه الزيارة الناجحة بيد مصر، الأخت الكبرى للدول العربية وأفريقيا شمالاً وجنوباً، وصاحبة العلاقات المتميزة مع دول أوروبية في حوض البحر المتوسط ووسط أوروبا. 

لقد أثبت التاريخ، وتجارب الحاضر أيضاً، أن مصر هي الحليف الشرق أوسطي الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فقد سبق وحاول أوباما ومن قبله بوش الرهان على دول أخرى مثل السعودية لما تتميز به من ثروات نفطية ونفوذ واحترام كبيرين في الخليج، لتحل محل مصر في لعب هذا الدور القيادي في المنطقة ولم يجنيا ثماراً تذكر. 

إن على مصر دور كبير كطرف ثالث في هذه المعادلة، أولاً من حيث ضرورة إعادة ميزان الأمور لنصابها الصحيح، مصر الآن هي حليف لا يمكن الاستغناء عنه للطرفين الأمريكي والروسي، والطرف الضامن لاستقرار العلاقة بينهما في مواجهة عدو مشترك هو الإرهاب، وثانياً فمصر أيضاً هي الآن الضامن الحقيقي لأن أي من القوتين العظمتين لن يجور على حقوق المواطنين الأبرياء في منطقة الشرق الأوسط لتحقيق مكاسب سياسية لأي من الطرفين، خصوصاً بعد ما رأيناه من حالة العناد التي كانت تسيطر على الطرفين الروسي والأمريكي بشأن الموقف من سوريا والحرب على داعش على الأراضي السورية والعراقية، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب في ليبيا. 

كل هذا يشكل تحدي جديد لمصر، التي ما زالت تحارب على جبهتها الداخلية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، والرئيس السيسي وجيشنا العظيم ليسا وحدهما في مواجهة هذا التحدي، بل نحن أيضاً كقوى شعبية وأحزاب سياسية ومجتمع مدني شركاء فيه، وعلينا أن ندرك حجمه وخطورته، بأن نركز جهدنا فقط على ما يبني لبنات المستقبل ولا نحمل الدولة أعباء أكثر مما تحتمل الآن، بما يمهد الطريق للقيادة السياسية لتحقيق كل الأمال المعقودة عليها. 


Tuesday, March 28, 2017

الموضوع الأهم في حوار السيسي وترامب


لعل السؤال الذي يشغل الرئيس السيسي وفريقه الآن هو عن النقطة الرئيسية والأهم التي يجب أن تناقش باستفاضة ونخرج منها بنتائج حقيقية ومؤثرة لصالح مصر من اللقاء المرتقب في مطلع أبريل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

هل هي مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، أم مكافحة الإرهاب داخل مصر، أم إدراج الإخوان كتنظيم إرهابي دولي، أم السلام بين فلسطين وإسرائيل، أم إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة في الداخل، أم المساعدات العسكرية؟ 
كلها موضوعات مهمة، وستطرح للنقاش حتماً، ليس فقط بين الرئيسين ولكن في كل المحافل الإعلامية والسياسية التي ستحيط باللقاء، وربما أيضاً في كل وسائل الإعلام التي ستسعى لاستضافة الرئيس السيسي أثناء وجوده في واشنطن، وإن كنت أفضل أن يرفضها الرئيس لأنها في غالبها ستكون محاولة لضرب ترامب من خلال السيسي، أكثر منها إتاحة الفرصة للرئيس المصري أن يقدم وجهة نظر بلده في العلاقات الخارجية التي تربط البلدين وترسم مصير الشرق الأوسط كله. 

لكن تبقى النقطة الأهم من كل ذلك، والتي أتمنى على الرئيس السيسي أن يضعها على قمة أولويات هذا اللقاء، هي مناقشة فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين، ليس عن طريق المساعدات، التي تجعل من مصر حليف مضطر للدولة العظمى، ولكن عن طريق تقديم عروض استثمارية مغرية للجانب الأمريكي، تجعل مصر شريك لا يمكن الاستغناء عنه، وتجعل الرئيس الأمريكي ولو بدافع المصلحة الأمريكية البحتة، يقبل على فتح قنوات اقتصادية جديدة بين البلدين، تبدأ من زيادة تحرير التبادل التجاري، وتشجيع المستثمر الأمريكي على استغلال ما لدى مصر من امتيازات بشرية، من حيث كثرة عدد السكان وتوافر قوة عمل رخيصة التكلفة، وامتيازات جغرافية نظراً لموقع مصر الفريد بين الثلاث قرات الأهم في أي عملية استثمارية في المستقبل. 

لماذا يجب أن يكون الاستثمار والتعاون الاقتصادي هو المحور الأهم في حديث الرئيسين؟ 

أولاً لأن مصر بحاجة لتوفير ما يضمن لها مواصلة مسيرة التنمية الاقتصادية التي بدأها الرئيس منذ توليه الحكم قبل ثلاثة سنوات، والتي اعتمدت في غالبها على منح ومساعدات من دول عربية، كنا نعرف أنها لن تستمر طويلاً، وربما الرقم الزهيد للمساعدات في ميزانية 2016/2017 التي يناقشها البرلمان الآن هي أكبر حافز على أننا يجب أن نبحث عن موارد جديدة وطويلة الأمد، وليس أفضل من فتح فرص استثمارية مع دولة مثل أمريكا كحل لاستمرار التنمية الاقتصادية في مصر، خصوصاً في ظل صعوبة عمل تنمية حقيقية في مجال السياحة الذي يعتبر المورد الأكبر لاقتصاد مصر، بسبب التوتر الممتد في العالم العربي. 

ثانياً الرئيس ترامب هو رجل أعمال قبل أن يكون رجل سياسة، وفهمه للغة الأعمال أكبر بكثير من فهمه للغة السياسة، وحملته الانتخابية "أن نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" كانت كلها تدور على محور توفير الرخاء الاقتصادي للمواطن الأمريكي، وهي خير دليل على أن الاقتصاد هو كل ما يشغل تفكير هذا الرجل، وقد رأينا كيف تعامل ترامب منذ توليه الحكم مع الدول التي لديه هو شخصياً أعمال اقتصادية بها، من خلال شركاته الخاصة، بما في ذلك روسيا التي تعتبر العدو التاريخي لأمريكا. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، مع من نتنافس على جذب المستثمر الأمريكي والحكومة الأمريكية لمصر؟ هناك طرفان يتجاذبان معنا في هذه المعادلة، الطرف الأول هو دول التعاون الخليجي والتي رغم ثرائها واستقرارها تتفوق عليها مصر في القوة البشرية، وحرفية العمالة ورخصها، فضلاً على توافر مساحات كبيرة من الأرض يمكن للمستثمر الأجنبي بناء مصانعه عليها، وتشغيلها، والطرف الثاني هو الصين، التي توازي مصر من حيث حرفية ووفرة العمالة، لكن تتفوق عليها مصر من حيث الموقع الجغرافي، فهي أقرب للولايات المتحدة وأوروبا، وبالتالي تكلفة نقل المواد الخام إليها ونقل المنتجات منها ستكون أوفر بكثير على المستثمر، وكذلك تكلفة تسويق البضائع المنتجة في دول أسيا وأوروبا وأفريقيا ستكون أفضل بكثير لو تم إدارتها من داخل مصانع المستثمرين وشركاتهم في مصر، وأيضاً كون مصر طرف في كل الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة الحرة وما لديها من موانيء برية وبحرية وجوية يجعلها هي الاختيار الأفضل لأي مستثمر. 

لو أن مصر تتمتع بكل هذه الامتيازات الطبيعية، ما العائق إذاً في جذب الاستثمارات الأمريكية أو الأوروبية لمصر؟ التحدي الأكبر ربما هو الاستقرار الأمني والسياسي، وقد قطعت مصر شوطاً كبيراً في هذا الجانب، لكن حتى اليوم لم يتم تسويقه بالشكل الملائم لدى الغرب، وهذا يضع تحدي خاص على الرئيس السيسي في زيارته المقبلة لأمريكا، لتوضيح حقيقة أن مصر أصبح لديها من الاستقرار ما يضمن للمستثمر عدم تهديد مصالحه في المستقبل، أما التحدي الثاني، وربما الأسهل، هو تعقيدات الإجراءات الحكومية التي عادةً ما يواجهها أي مستثمر داخلي أو خارجي، وقد لمسنا جهد واضح من الدكتورة سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي، في الأشهر القليلة الماضية لتجاوز هذه العقبات، لكن ما زال هناك المزيد الذي يجب أن يبذل في هذا الإطار خصوصاً على مستوى الإصلاحات الداخلية في الوزارة نفسها. 

وخلاصة القول، أن موضوع التشارك الاقتصادي بين مصر وأمريكا يجب أن يكون على رأس أي حوار يتم بين الرئيسين، ولو حسن تقديمه والتفاوض بشأنه، سيشكل محور أساسي في التعاون بين البلدين على كل المستويات الأخرى، بما في ذلك المحور الأمني من حيث محاربة الإرهاب في المنطقة، والمحور السياسي من حيث قضية السلام وتوازونات القوى في الشرق الأوسط.