Wednesday, September 29, 2021

الحكومات والسوشيال ميديا.. معركة النفوذ


أثار القرار الأخير الذي اتخذته مصلحة الضرائب المصرية بفرض ضرائب على الدخل على البلوجرز والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي جدلاً ساخنًا، حيث أن عدد كبير من المصريين، من جميع المراحل العمرية والخلفيات الاجتماعية، يتربحون من تقديم محتوى إعلامي على منصات السوشيال ميديا، بشكل خاص يوتيوب وفيسبوك. لا توجد إحصائيات موثوقة حول مقدار الأموال التي يجنونها، ولكن لقياس أهمية الأمر يكفي أن نلاحظ مثلاً في السنوات الأخيرة توجه أغلب الإعلاميين المصريين إلى عمل قنوات خاصة بهم على منصة يوتيوب، بعد أن قلت نسب مشاهدتهم على شاشات التليفزيون التقليدي.

إن مصر ليست الدولة الأولى أو الوحيدة التي تحاول السيطرة على المدونين على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال فرض الضرائب. مثلاً دولة الإمارات، التي تعتبر جنة المدونين وصانعي المحتوى على الأنترنت من جميع أنحاء العالم، تطبق ضريبة ثابتة على الدخل لكل من يستخدم السوشيال ميديا للتربح. وفي شهر مارس، قررت هيئة الضرائب الفيدرالية في دولة الإمارات تطبيق ضريبة القيمة المضافة على المنتجات التي يتلقاها المدونون من خارج الدولة لتجربتها والترويج لها على صفحات السوشيال ميديا الخاصة بهم.

حتى في الولايات المتحدة، حيث بدأت أغلب الشركات الشابة التي تدير أشهر منصات السوشيال ميديا منذ حوالي خمسة عشر عامًا، تتخذ الحكومة الفيدرالية تدابير غير مباشرة لتحصيل الضرائب من مستخدمي يوتيوب الذين يعملون من خارج الولايات المتحدة. في وقت سابق من هذا العام، حذرت إدارة موقع يوتيوب، والذي تملكه شركة جوجل، منشئي المحتوى على منصتها من أنه اعتبارًا من شهر يوليو ٢٠٢١، سوف تخصم الشركة ضريبة بنسبة ٢٤٪، تؤدى إلى الحكومة الأمريكية، من العائدات المستحقة لصانعي المحتوى على يوتيوب، خاصةً أولئك الذين يعملون من خارج الولايات المتحدة.

منذ بداية هذا العام، على الأقل، تتخذ العديد من الحكومات في جميع أنحاء العالم تدابير غير مسبوقة للسيطرة على العدد المتزايد من المواطنين الذين ينشئون محتوى إعلامي على منصات التواصل الاجتماعي. يمكن اعتبار هذا حلقة ضمن المعركة الأكبر، المستمرة منذ ما يقارب الخمس سنوات، بين وسائل التواصل الاجتماعي والحكومات حول العالم. 

وصل هذا الصراع ذروته ما بين عامي ٢٠١٧ و٢٠١٩، عندما أطلقت حملات واسعة، لا نعرف من يقف وراءها أو يصرف عليها، لتشجيع الشباب، الذين يمثلون غالبية المستخدمين، على مقاطعة وسائل التواصل الاجتماعي. ذهبت هذه الحملات إلى حد الادعاء بأن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تضر بالصحة العقلية وتسرق أرواحهم وحياتهم. في مرحلة ما، قامت هذه الحملات المعادية للسوشيال ميديا، بتحميل فيسبوك مثلاً مسؤولية فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام ٢٠١٧، واتهمت المنصة الإليكترونية بأنها تلاعبت بالناخبين لتؤثر على تصويتهم.

المفارقة هنا أن معظم الذين كانوا يدعون إلى مقاطعة السوشيال ميديا، في ذلك الوقت، كانوا هم أنفسهم من المؤثرين وصانعي المحتوى على السوشيال ميديا، وهم متصلون بالإنترنت طول الوقت تقريباً، ولولا وجودهم الدائم على منصات السوشيال ميديا، لما استطاعوا جذب هذا العدد من المتابعين والجمهور، وربما ما لاحظ أحد وجودهم بالحياة أصلاً. 

في عام ٢٠٢٠، أثبتت تلك الحملات المعادية للسوشيال ميديا أنها لم تكن سوى عملية احتيال كبرى لصالح أطراف ما، خصوصاً عندما لعبت منصات التواصل الاجتماعي الدور الأهم في تخفيف وطأ قرارات العزل الصحي وحظر التجوال التي فرضتها الكثير من الحكومات حول العالم على المواطنين، لمدة قاربت سنة كاملة، في محاولة للسيطرة على انتشار وباء كوفيد. الضغط النفسي الشديد الذي خلفته الجائحة وتبعاتها الاقتصادية والسياسية، كان من الممكن أن يصيب الأشخاص بالجنون حرفياً، لولا توافر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي مكنتهم من استمرار التواصل مع أحباءهم ومشاركة تجاربهم رغم ظروف الحجر الصحي الصعبة.

لو أن هناك شيء واحد قد تتفق عليه الحكومات الديمقراطية والديكتاتورية، هذا الشيء هو الحاجة إلى السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على المواطنين. ولو أن هناك شيء واحد قد يتفق عليه غالبية المواطنين في جميع أنحاء العالم، سيكون هذا الشيء هو أهمية وسائل التواصل الاجتماعي التي منحتهم نفوذ غير مسبوق لإدارة العالم على طريقتهم. أن تطلب من الناس، في عصرنا هذا، أن يتوقفوا عن استخدام السوشيال ميديا هو أمر أشبه بمطالبتهم بأن يبتروا أقدامهم ويعيشوا عاجزين عن الحركة بقية حياتهم. 

وسائل التواصل الاجتماعي تستطيع، بل استطاعت بالفعل، أن تحقق أمور عظيمة في تاريخ البشر عندما أحسن البشر استخدامها. أنا شخصياً رأيت وسائل التواصل الاجتماعي تمكّن النساء المضطهدات في المجتمعات المتشددة والمغلقة من التعبير عن أنفسهن ومحاربة مظاهر الاضطهاد الاجتماعي والحكومي الممنهج الذي يمارس ضدهن. ورأيت السوشيال ميديا في يد النشطاء الشباب تسقط أنظمة ديكتاتورية عاتية خلال ثورات الربيع العربي، بعد أن استخدموها لإيصال رسالتهم وحشد المؤيدين الذين لم يكن يمكن الوصول إليهم بالطرق التقليدية. لقد رأيت أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي تساعد في اكتشاف وإنقاذ أرواح اللاجئين الفارين من الحروب الأهلية والإرهاب الذي اجتاح منطقة الشرق الأوسط في العشر سنوات الأخيرة. 

بالرغم من كل ذلك، ما زالت المعركة دائرة، تحت عنوان مصلحة المواطن، بين السوشيال ميديا والحكومات التقليدية، بغض النظر عن بناءها السياسي ومنظومة القيم التي تتبناها، وسوف يستمر هذا الصراع في الاتساع طالما أن جوهره لم يتم الكشف عنه بعد. إن هذا الصراع، في جوهره، هو صراع على النفوذ والسلطة بين نظام قديم تهيمن عليه الحكومات التقليدية، ونظام جديد تدير دفته منصات السوشيال ميديا بواسطة عدد مهول لا يمكن السيطرة عليه أو التحكم فيه من صانعي المحتوى في الفضاء الافتراضي.