Sunday, April 04, 2021

هل تستطيع أوروبا كبح نفوذ تركيا على ليبيا؟


بينما يتقلص نفوذ تركيا السياسي والعسكري على ليبيا بشكل واضح، تتخذ الدول الأوروبية المعنية خطوات واسعة لإعادة تقديم نفسها كلاعبين رئيسيين في مستقبل ليبيا. هذا الأسبوع، ينتظر حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، التي اعتمدها البرلمان الليبي في مارس، جدول أعمال مزدحم، حيث يتوقع الرئيس ورئيس الوزراء زيارات من كبار المسؤولين الحكوميين من اليونان وإيطاليا وألمانيا وفرنسا، كجزء من مهمة أوروبية لخطب ود ليبيا واستعادة العلاقات معها.

يلتقي رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ووزير خارجيته، يوم الثلاثاء ٦ أبريل، بقادة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، ومن المخطط إعلان إعادة افتتاح السفارة اليونانية في ليبيا أثناء تلك الزيارة. كانت السفارة اليونانية في طرابلس قد أغلقت منذ عام ٢٠١٤، عندما وصلت الحرب الأهلية في ليبيا إلى نقطة خطيرة أجبرت اليونان على إخلاء بعثتها الدبلوماسية من البلاد. لكن في المقابل أبقت اليونان على البعثة الدبلوماسية الليبية حتى ديسمبر ٢٠١٩، عندما قامت حكومة الوفاق الوطني بتوقيع اتفاقية بحرية مع تركيا، اعتبرتها اليونان تهديد مباشر لها واعتداء على حدودها في البحر المتوسط، وعلى إثرها قامت بإنهاء عمل البعثة الدبلوماسية الليبية لديها وطردت السفير الليبي آنذاك، الذي كان هو نفسه محمد المنفي الذي تولى مؤخراً منصب الرئيس في حكومة الوحدة الوطنية المنتخبة حديثاً. 

الاتفاق البحري الذي وقعته تركيا مع حكومة الوفاق الوطني، على الرغم من كونه غير شرعي، أعطى نفوذ غير مسبوق لتركيا في النزاع المستمر منذ عقود حول ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط. وبناءً عليه، في أغسطس ٢٠٢٠، وقعت اليونان مع مصر اتفاقية لتحديد منطقة اقتصادية خالصة، في محاولة لإبطال اتفاقية تركيا مع حكومة الوفاق الوطني وإجبار تركيا على التوقف عن البحث عن الغاز في المنطقة المتنازع عليها. بعد أسبوع من انتخابه، في يناير، قال رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، في تصريح صحفي إن حكومته ستواصل احترام الاتفاقات البحرية والعسكرية التي وقعتها حكومة الوفاق الوطني مع تركيا في عام ٢٠١٩. ولا يزال غير واضح إن كان التقارب الحالي من جانب اليونان وأوروبا نحو طرابلس سيجعل الدبيبة يغير رأيه في هذه المسألة. 

في نفس اليوم، الثلاثاء ٦ أبريل، سوف يزور رئيس الوزراء الإيطالي الجديد، ماريو دراجي، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. ليس من المستغرب أن تكون هذه أول رحلة رسمية لدراجي كرئيس للوزراء، حيث أنه لدى إيطاليا العديد من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية في ليبيا. من المتوقع أن يغطي الاجتماع بين دراجي وزعماء حكومة الوحدة الوطنية استئناف الرحلات الجوية والتفاوض على اتفاقية لإدارة انتقال موارد الطاقة بين البلدين. إيطاليا لديها استثمارات ضخمة في حقول النفط الكبرى المتواجدة في جنوب وغرب طرابلس.

مثل اليونان، رأت إيطاليا في الاتفاقات البحرية والعسكرية التي وقعتها حكومة الوفاق الوطني مع تركيا، في ٢٠١٩، تهديدًا لمصالحها في البحر المتوسط وشمال إفريقيا. ومع ذلك، اختارت روما عمداً عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع أنقرة، بسبب التدخل العسكري التركي في ليبيا. قبل فترة طويلة من التدخل العسكري التركي في ليبيا، كان لإيطاليا تأثير عسكري ملموس على كل من طرابلس والجيش الوطني الليبي في الشرق، حيث كان المستشار العسكري لبعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، التي مهدت الطريق لاتفاق الصخيرات الذي أوصل حكومة الوفاق الوطني إلى السلطة في عام ٢٠١٥، هو قائد عسكري إيطالي. وفي مؤتمر صحفي عبر الإنترنت، في أوائل مارس، ذكر سفير إيطاليا في أنقرة أن إيطاليا كانت تعمل بشكل وثيق طوال العام الماضي مع تركيا لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية المشتركة في ليبيا. 

على الجانب الآخر، تتعرض تركيا لضغوط دولية هائلة، بواسطة أوروبا بشكل أساسي، لإنهاء تدخلها العسكري في ليبيا، بعد انتخاب حكومة الوحدة الوطنية. في أواخر مارس، تواصل مكتب المخابرات التركي مع حكومة الوحدة الوطنية ووافق على أن يسحب الجيش التركي جميع المرتزقة التابعين له من ليبيا، بشرط أن يستمر في تقديم التدريب والاستشارات للجيش الليبي المشكل حديثًا في طرابلس. في إطار الاتفاقية العسكرية الموقعة سابقًا بين الجيش التركي وحكومة الوفاق الوطني، في ديسمبر ٢٠١٩، شكلت تركيا جيشًا صغيرًا من عناصر الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق الوطني. وبحسب بيان لوزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في نوفمبر، فقد درب الجيش التركي بالفعل أكثر من ثلاثة آلاف طالب ليبي في مدارس تابعة لتركيا في طرابلس وأنقرة.

إن كسب ليبيا كحليف واستعادة دول أوروبا لنفوذها على ليبيا، هو بالتأكيد مكسب مهم لأوروبا كلها، ليس فقط نظراً لأهمية ليبيا بالنسبة لأوروبا في ملفات مهمة مثل توفير موارد الطاقة وتحجيم الهجرة غير الشرعية، ولكن أيضاَ لأن استمالة ليبيا ناحية أوروبا يعني مزيدًا من التقييد على تركيا في البحر المتوسط، وهو ما يمثل أمر بالغ الأهمية بالنسبة لليونان وقبرص وإيطاليا وفرنسا. بالرغم من ذلك، يصعب الادعاء بأن التحالف مع أوروبا على حساب الانفصال الكامل عن تركيا هو مكسب لليبيا. بالعكس تماماً. يجب أن يتعلم قادة حكومة الوحدة الوطنية من أخطاء أسلافهم في حكومة الوفاق الوطني، بأن لا يميلوا بالكامل إلى جانب واحد من طرفي النزاع في البحر المتوسط. إن الحفاظ على التوازن في علاقات ليبيا مع أوروبا وتركيا أمر ضروري حتى لا تشتت حكومة الوحدة الوطنية نفسها عن مهمتها الأكثر أهمية؛ وهي توحيد ليبيا وإجراء الانتخابات العامة في موعدها نهاية العام الجاري.