Thursday, August 10, 2017

قانون الجمعيات الأهلية وحده لا يكفي



أثار مؤتمر الشباب فى الإسكندرية، الأسبوع الماضي، تساؤلًا مهمًا حول مخططات إفشال الدول، فى محاولة لتذكير المصريين بحجم المؤامرة التى تعرضنا لها قبل بضعة أعوام، واستعادة همتهم فى مواجهة الخطر الذى لا يزال قائمًا، والسعى نحو الارتقاء بمصر من دولة ضعيفة مهددة إلى مصاف الدول القوية القادرة على المنافسة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. 

لقد نجح الرئيس السيسى فى «تثبيت دعائم الدولة المصرية» فى وقت قياسى وبشكل مبهر، بل واتخذت الدولة خطوات نحو تحقيق مثلث الرخاء الذى يتشكل من: أولًا قيام دولة ديمقراطية ذات مؤسسات شرعية تتمتع بالسيادة والقبول الشعبي، وثانيًا اقتصاد منيع متنام، وثالثًا مجتمع مدنى قوى ومؤثر. 

وعلى الرغم من التقدم الكبير الذى حدث فى الضلعين السياسى والاقتصادى، يبقى المجتمع المدنى فى قاعدة مثلث الرخاء يعانى من مشكلاته التى تهدد بزلزلة استقرار كل المجهودات التى اتخذت بالفعل، وهو ما نتمنى أن تنتبه له الدولة فى الفترة المقبلة. 

ليس سرًا أن المجتمع المدنى بشقيه الحقوقى والخيرى قد أضر كثيرًا بالدولة المصرية فى السابق، فقد كان هو المنصة التى نفذت من خلالها جماعة الإخوان المسلمين إلى قلب المواطن البسيط، من خلال اللعب على احتياجاته التى حال الفساد فى عهود سابقة دون قدرة الدولة على تحقيقها، عبر إنشاء جمعيات خيرية ودينية تدس سموم الفكر الإرهابى لهذه الجماعة فى نفوس القواعد الشعبية، حتى استطاعوا فى غفلة من الزمن سرقة الوطن بأكمله.

كما تحول الكثير من المنظمات الحقوقية فى تلك الفترة المضطربة، قبيل ثورة يناير، إلى أحزاب سياسية معارضة ومغرضة، تدافع عن كل ما من شأنه هدم الوطن، وتستغل قيما سامية نسعى لها جميعًا مثل «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» كستار لكسر هيبة الدولة وإشاعة الفوضى، وكانت النتيجة ثورة غضب قضت على الأخضر واليابس ثم تركت الشارع المصرى يعانى وحده من تبعات ما خلفه الهدم الأعمى من خراب، دون تقديم أى حل باتجاه إعادة بناء وترميم ما تم إتلافه. 

وعلى الرغم من أن عناية الله وجيش مصر الباسل ورؤية رئيس مصر الحصيفة قد أنقذتنا من المصير المؤلم الذى وقع فيه جيراننا، فإن المجتمع المدنى بشكله الحالي، ما زال بابًا مفتوحًا لإعادة التدمير لو لم تبادر الدولة إلى التعامل معه، والمبادرة هنا لا تعنى إغلاق الباب، ولكن الدخول منه إلى عالم المجتمع المدنى وتنقيته وإعادة ترتيبه ليمارس دوره المنوط به فى معاونة الدولة على القيام بدورها لتحقيق أعلى درجات الرخاء للمواطن، فالمجتمع المدنى سيظل دائمًا هو الكيان الأكثر التصاقًا بالشارع والأكثر تأثيرًا على القواعد الشعبية نظرًا لعلاقته المباشرة مع المواطنين.

لعل قانون الجمعيات الأهلية الجديد هو خطوة أولى نحو عملية إعادة ترتيب المجتمع المدنى من الداخل، لما يتضمنه من نصوص حققت التوازن المطلوب بين حرية عمل المجتمع المدنى ودور الدولة الإشرافى عليه. لكن القانون وحده لا يكفي، ويجب أن يتبع بإجراءات عملية لإعادة هيكلة المجتمع المدنى الحقوقى والخيرى من الداخل، واستحداث أجيال جديدة من الشباب الواعى والمتفهم لدور المجتمع المدنى فى دعم الدولة، لتحل محل العناصر الفاسدة التى تتحدث باسم المجتمع المدنى اليوم فى داخل مصر وفى المحافل الدولية. 

أما عن آليات تحقيق هذا الهدف، الذى لا يقل أهمية عن الإصلاحات السياسية والاقتصادية التى تشهدها مصر حاليًا، فسوف أعرض له بالتفصيل فى مقالات تابعة.

Saturday, July 29, 2017

المجتمع المدني وصناعة الدولة المصرية القوية



أثار مؤتمر الشباب في الأسكندرية، الأسبوع الماضي، تساؤلاً مهماً حول مخططات إفشال الدول، في محاولة لتذكير المصريين بحجم المؤامرة التي تعرضنا لها قبل بضعة أعوام، واستعادة همتهم في مواجهة الخطر الذي لا زال قائماً، والسعي نحو الارتقاء بمصر من دولة ضعيفة مهددة إلى مصاف الدول القوية القادرة على المنافسة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. 

لقد نجح الرئيس السيسي في "تثبيت دعائم الدولة المصرية" في وقت قياسي وبشكل مبهر، بل واتخذت الدولة خطوات نحو تحقيق مثلث الرخاء الذي يتشكل من: أولاً قيام دولة ديمقراطية ذات مؤسسات شرعية تتمتع بالسيادة والقبول الشعبي، وثانياً اقتصاد منيع متنامي، وثالثاً مجتمع مدني قوي ومؤثر. 

وبالرغم من التقدم الكبير الذي حدث في الضلعين السياسي والاقتصادي، يبقى المجتمع المدني في قاعدة مثلث الرخاء يعاني من مشاكله التي تهدد بزلزلة استقرار كل المجهودات التي اتخذت بالفعل، وهو ما نتمنى أن تنتبه له الدولة في الفترة القادمة. 

ليس سراً أن المجتمع المدني بشقيه الحقوقي والخيري قد أضر كثيراً بالدولة المصرية في السابق، فقد كان هو المنصة التي نفذت من خلالها جماعة الإخوان المسلمين إلى قلب المواطن البسيط، من خلال اللعب على احتياجاته التي حال الفساد في عهود سابقة دون قدرة الدولة على تحقيقها، عبر إنشاء جمعيات خيرية ودينية تدس سموم الفكر الإرهابي لهذه الجماعة في نفوس القواعد الشعبية، حتى استطاعوا في غفلة من الزمن سرقة الوطن بأكمله.

كما تحولت الكثير من المنظمات الحقوقية في تلك الفترة المضطربة، قبيل ثورة يناير، إلى أحزاب سياسية معارضة ومغرضة، تدافع عن كل ما من شأنه هدم الوطن، وتستغل قيم سامية نسعى لها جميعاً مثل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" كستار لكسر هيبة الدولة  وإشاعة الفوضى، وكانت النتيجة ثورة غضب قضت على الأخضر واليابس ثم تركت الشارع المصري يعاني وحده من تبعات ما خلفه الهدم الأعمى من خراب، دون تقديم أي حل باتجاه إعادة بناء وترميم ما تم إتلافه. 

وبالرغم من أن عناية الله وجيش مصر الباسل ورؤية رئيس مصر الحصيفة قد أنقذتنا من المصير المؤلم الذي وقع فيه جيراننا، إلا أن المجتمع المدني بشكله الحالي، ما زال باباً مفتوحاً لإعادة التدمير لو لم تبادر الدولة إلى التعامل معه، والمبادرة هنا لا تعني إغلاق الباب ولكن الدخول منه إلى عالم المجتمع المدني وتنقيته وإعادة ترتيبه ليمارس دوره المنوط به في معاونة الدولة على القيام بدورها لتحقيق أعلى درجات الرخاء للمواطن، فالمجتمع المدني سيظل دائماً هو الكيان الأكثر التصاقاً بالشارع والأكثر تأثيراً على القواعد الشعبية نظراً لعلاقته المباشرة مع المواطنين. 

لعل قانون الجمعيات الأهلية الجديد هو خطوة أولى نحو عملية إعادة ترتيب المجتمع المدني من الداخل، لما يتضمنه من نصوص حققت التوازن المطلوب بين حرية عمل المجتمع المدني ودور الدولة الإشرافي عليه. 

لكن القانون وحده لا يكفي، ويجب أن يتبع بإجراءات عملية لإعادة هيكلة المجتمع المدني الحقوقي والخيري من الداخل، واستحداث أجيال جديدة من الشباب الواعي والمتفهم لدور المجتمع المدني في دعم الدولة، لتحل محل العناصر الفاسدة التي تتحدث باسم المجتمع المدني اليوم في داخل مصر وفي المحافل الدولية. 

Monday, May 22, 2017

داليا زيادة: سمعة المجتمع المدنى في مصر أصبحت سيئة.. وتلك هى المشكلة - حوار في جريدة الوطن المصرية



* داليا زيادة: سمعة المجتمع المدنى أصبحت سيئة.. وتلك هى المشكلة

* مدير «المصرى لدراسات الديمقراطية»: ليس منطقياً أن تذهب لرجل جائع ومريض وليس لديه مسكن وتحدثه عن حقه فى حرية التعبير

* التشكيل الحالى لـ«قومى حقوق الإنسان» انتهت صلاحيته على مستوى القانون والأداء 

* ثقافة الشارع المصرى تميل لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية



قالت داليا زيادة، مدير المركز المصرى للدراسات الديمقراطية الحرة، إن المجتمع المدنى يمر بمرحلة خطرة فلم يدخل للمجال أى دماء جديدة خلال السنوات الخمس الماضية، ولفتت إلى أن بعض قيادات العمل الحقوقى فى مصر ما زالوا مُصرّين على خلط المدنى بالسياسى، ومواصلة الضغط على صانع القرار فى اتجاهات خاطئة تماماً، دون فهم أولويات المرحلة. وأوضحت «داليا»، فى حوارها لـ«الوطن»، أنه لا بديل للتمويل الأجنبى للمنظمات الحقوقية، لأن ثقافة الشارع المصرى تميل أكثر لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية، وأكدت أنها متفائلة بمستقبل المجتمع المدنى فى مصر، لافتة إلى أن المرحلة الحالية مرحلة فرز ستبقى على الصالح وتستبعد الطالح.. وإلى نص الحوار.


من خلال عملك فى الحقل الحقوقى.. كيف تصفين واقع المجتمع المدنى فى مصر؟

المجتمع المدنى فى مصر، بشقيه الخيرى والحقوقى، يتمتع بقوة وتاريخ يقارب قرناً كاملاً من العمل، جعله يصمد فى كل الظروف التى مرت بها مصر، من حروب وثورات وتقلبات اجتماعية وسياسية، لكن فى السنوات القليلة الأخيرة، شهدنا تراجعاً فى دور المنظمات الحقوقية المهتمة بالحقوق المدنية والسياسية فى مقابل تقدم ملحوظ فى دور المنظمات التنموية المهتمة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وربما السبب هو الأولويات التى تفرضها مرحلة إعادة بناء الدولة بعد ثورتين، والتراجع العالمى بالاهتمام بالعمل الحقوقى فى السنوات الثلاث الأخيرة بسبب التهديدات الإرهابية التى لم تترك بقعة آمنة فى العالم كله.


 وما التحديات التى تواجه المجتمع الحقوقى فى مصر وكيف يمكن مواجهتها؟

التحدى الأول والأكبر هو مسألة التحزب السياسى للمنظمات الحقوقية، وهى آفة ممتدة منذ العقد الأخير فى حكم مبارك، حيث لجأ كثيرون إلى المجتمع المدنى كمتنفس لممارسة الأنشطة التى لم يستطيعوا تنفيذها عبر الأحزاب السياسية الضعيفة وقتها، مما أدى إلى انخراط المنظمات الحقوقية فى العمل السياسى بما يخالف القانون ويخالف الأهداف المدنية التى تأسست من أجلها، فأصبحنا نرى المنظمات الحقوقية تصنف إلى ليبرالية ويسارية ويمينية، وهذا تصنيف حزبى وليس حقوقياً. 

والتحدى الثانى، هو عدم وجود مصادر تمويل كافية، خصوصاً أن عمل المنظمات الحقوقية غير ربحى، وثقافة الشارع تعزز فكرة دعم المشروعات الخيرية والتنموية بتبرعات، حتى إن رجال الأعمال المصريين والعرب يقبلون أكثر على دعم هذا النوع من المشروعات، على عكس موقفهم من المشروعات المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، كما أن أغلب الجهات المانحة الأوروبية والأمريكية توقفت عن تمويل المنظمات الحقوقية المصرية منذ عام 2012 بعد فتح قضية التمويل الأجنبى، وكل هذا أدى إلى أن عدداً كبيراً من المنظمات أغلقت تماماً، وبعضها توقف عن العمل فى مصر وانتقل لدول عربية أخرى مثل تونس، وبعضها الآخر ما زال يعمل بأقل الإمكانيات المتاحة. 

أما التحدى الثالث، فهو فى رأيى أخطرها -لو لم نجد له حلاً عاجلاً- هو قلة القوة البشرية بما يهدد قدرة الحركة الحقوقية على البقاء بشكل مؤثر لحقب مستقبلية، فمنذ نحو خمس سنوات لم يدخل المجتمع الحقوقى دماء جديدة، ولم يتم تأهيل وتقديم أجيال جديدة من الحقوقيين الشباب، ولو استمر الحال سينتهى بنا الأمر إما لوقوع فجوة بين الجيل الحقوقى الحالى والذى أنتمى له، والجيل الذى يليه والذى لا نعرف متى سيتشكل أو كيف فى ظل الأزمة الحالية، أو السيناريو الأسوأ أن يضعف العمل الحقوقى بمرور الوقت وينتهى دوره مع انتهاء الجيل الحالى.


وما سر الجفوة بين عدد من منظمات المجتمع المدنى والحكومة الحالية؟

- القضية لها بُعدان، البعد الأول يُلام عليه بعض قيادات العمل الحقوقى فى مصر الذين ما زالوا مصرّين على خلط المدنى بالسياسى، ومواصلة الضغط على صانع القرار فى اتجاهات خاطئة تماماً دون فهم أولويات المرحلة، فترى مثلاً فى الوقت الذى تحارب فيه مصر الإرهاب، يخرج من يدافع عن حقوق الإرهابيين ويصفهم بالضحايا لو قامت قوات الشرطة بضبطهم أو تصفيتهم، فى حين لا نسمع منهم شيئاً حين تقوم فرنسا أو بريطانيا بشىء مماثل. 

أما البعد الثانى فيتعلق بالتأخير فى استكمال ملفات يحتاجها الشرفاء فى المجتمع المدنى للقيام بدورهم، ومنها التأخر فى إصدار قانون الجمعيات الجديد الذى نحتاجه لنعرف حدود الإطار الشرعى لعملنا، وأيضاً التأخر فى البت فى قضية التمويل الأجنبى، وإدانة من أخطأ وتبرئة من ليس له ذنب، حيث إن استمرار فتح القضية فى حد ذاته، رغم أنها تخص عدداً محدوداً جداً من المنظمات غير الشرعية، يسىء للمجتمع المدنى كله فى عين الشارع.


 ما التمويل البديل الذى تعتمد عليه منظمات المجتمع المدنى بعد التضييق على التمويل الأجنبى؟

لا يوجد تمويل بديل للمنظمات الحقوقية للأسف، ثقافة الشارع المصرى تميل أكثر لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية، ولهذا فإن أغلب المنظمات التى ما زالت صامدة بدون تمويل حتى الآن تعتمد بالكاد على أعضائها أو مجالس إدارتها فى تمويل أنشطتها.


هل الدولة تدعم المجتمع المدنى مادياً؟

- نعم هناك دعم مادى ومعنوى كبير تقدمه الدولة ممثلة فى وزارة التضامن الاجتماعى ووزارة المالية لمنظمات المجتمع المدنى، لكنه فى أغلبه موجه للمنظمات الخيرية والتنموية، وجزء ضئيل جداً منه يوجه للأنشطة الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية بين الحين والآخر، وفى الغالب يذهب هذا الجزء الضئيل للمجلس القومى للمرأة أو المجلس القومى لحقوق الإنسان وليس للمنظمات الحقوقية المستقلة.


متى تتفهم الدولة ضرورة التمويل لاستمرار عمل المنظمات؟

- الدولة تحدد علاقتها بالمجتمع المدنى عبر القانون، والقانون بالفعل يسمح بتلقى تمويل ويعترف بأهميته، لكن هذا فقط للمنظمات التى تعمل فى إطار شرعى وتخضع لقانون الجمعيات. وفى القانون الجديد الذى لم يفعل بعد، هناك مواد تلزم الجهة الإدارية بالتعجيل فى إجراءات حصول المنظمة على التمويل لضمان استمرار عملها ونموه، المشكلة الحقيقية هى فى السمعة السيئة التى أصابت المجتمع المدنى بعد ثورة يناير بسبب الهجوم عليه، اعتماداً على إساءة قلة قليلة للعاملين به استغلال مسألة التمويل فى غير محلها.


وكيف يمكن تصحيح الصورة السلبية عن مصطلح المجتمع المدنى لدى الشارع؟

الخبر الجيد أن الأحداث التى مرت بها مصر جعلت المواطن ناضجاً سياسياً، وأصبح لديه القدرة على التمييز بين الصالح والطالح من العاملين فى مجال حقوق الإنسان، وأيضاً فرز وتقييم ما يقدم له فى الإعلام، ولكى يُصلح الجانب الشريف فى المجتمع المدنى هذا الانطباع السيئ عند المواطنين المسألة ستأخذ وقتاً ومجهوداً من جانب المنظمات، علينا أن نخرج من الصندوق الضيق الذى حبسنا أنفسنا فيه مع المواثيق الدولية والتجارب العالمية التى لا علاقة لها بواقعنا، ونعيد صياغة دورنا ورؤيتنا من جديد فى ظل أولويات هذا المواطن، فليس منطقياً أن تذهب لرجل جائع ومريض وليس لديه مسكن وتحدثه عن حقه فى حرية التعبير. أعتقد أن الأولوية الآن لدى المواطن ولدى الدولة هى فى تنمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعندما تتحقق هذه الحقوق وتستقر، سيتمكن المواطن تلقائياً من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية التى اكتسبها عبر حراك شعبى وكفلها له الدستور الحالى بالفعل.


برأيك.. متى كان المجتمع المدنى يعمل وسط أجواء من الحرية الكاملة فى مصر؟

لم يحدث هذا مطلقاً، لا فى مصر ولا فى أى دولة أخرى فى العالم، لكن أنا متفائلة أنه بعد إصدار القانون الجديد سيعتدل الحال شيئاً فشيئاً، تفعيل القانون هو أول خطوة لتحديد الإطار السليم للعلاقة بين دور الدولة الإشرافى وحرية عمل المجتمع المدنى بما يحقق مصلحة الوطن والمواطن فى النهاية.


وما تقييمك لأداء «القومى لحقوق الإنسان»؟

- الأمانة الفنية فى المجلس القومى لحقوق الإنسان رائعة، لديهم باحثون ومديرو مشروعات على كفاءة عالية مكنته من أن يحصل على التصنيف (أ) فى الأمم المتحدة فى وقت قياسى، لكن التشكيل الحالى لأعضاء المجلس وأداءهم لدىّ عليه كثير من الملاحظات، بالكاد أربعة أشخاص فى هذا التشكيل هم من لديهم خبرة حقوقية محلية ودولية يعتمد عليها، ويؤدون دورهم بإخلاص وفهم لطبيعة عمل المجلس ودوره، أما البقية فوقعوا للأسف فى فخ الخلط بين السياسى والحقوقى وربما السبب أنهم أصلاً ليسوا حقوقيين، وأحضروا معهم انتماءاتهم السياسية إلى المجلس واستغلوا مناصبهم فيه فى الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وليس دعمها وهو الدور المنوط بهم كهيئة وطنية مسئولة عن دعم الدولة فى تعزيز حقوق الإنسان بما يتناسب مع ظروفها وأولوياتها، وليس تحدى الدولة وتعمد الوقوف على السلبيات دون الإيجابيات، فقط لإيهام الرأى العام أنهم يقومون بعمل شىء، وأبرز مثال على ذلك أننا لم نرَ أى تحرك ملموس ومؤثر للتشكيل الحالى للمجلس باستثناء زيارات السجون وكتابة تقارير عنها. أعتقد أن التشكيل الحالى قد انتهت صلاحيته على المستوى القانونى وعلى مستوى الأداء أيضاً، وآن الأوان لتغييره بدماء جديدة من حقوقيين متخصصين على قدر من الكفاءة والتفهم لطبيعة الدور المنوط بهم.

Thursday, May 18, 2017

في حب الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف


Grand Imam of Al-Azhar Ahmed Altayyeb


الدكتور أحمد الطيب ليس مجرد عالم دين، ولم يكتسب مقامه وقيمته من هيبة منصب شيخ الأزهر، لكن هو في حد ذاته وبشخصه المجرد أسطورة لم يسبق أن حدثت، ولن يحدث أن تتكرر في تاريخ الأزهر أو تاريخ مصر، لقد استطاع هذا الفيلسوف المؤمن برجاحة عقله وحسن منطقه وعمق فهمه لتفاصيل نسيج المجتمع المصري أن يحقق ما لم يفعله شيخاً حل محله على طول تاريخ الأزهر.

رأينا الإمام أحمد الطيب محارباً مغواراً حين تجرأ المتأسلمون وتجار الدين على أمن الوطن وهوية المسلمين، ورأينا الإمام أحمد الطيب سفيراً محنكاً فتح أبواب الأزهر على العالم عبر الرابطة العالمية لخريجي الأزهر في الوقت الذي كان العالم كله يحارب الإسلام وينبذه، ورأينا الإمام أحمد الطيب، حين أنقسم المصريون على أنفسهم بعد ثورة يناير، نبياً صديقاً يدعونا إلى كلمة سواء قوامها حب الوطن وإعلاء مصلحته فوق كل مصلحة. 

الإمام الأكبر شيخ الأزهر، منصب له احترام كبير في أرجاء العالم الإسلامي، بل العالم بأثره، لكن يبدو أننا في مصر أشطر من يطبق مقولة "لا كرامة لنبي في قومه"، فقد وضع هذا المنصب كل من شغله، ومنهم الدكتور أحمد الطيب، في مرمى سهام بعض المصريين الذين يحملون غضب وغصة، لأسباب مفهومة، تجاه المتكلمين باسم الإسلام، فقد رأينا من المتأسلمين ما لا يطيقه عقل من تدليس وتلاعب بكلام الله، حتى أصبحنا لا نفرق بين عالم الدين الحقيقي والمتمسح باسم الدين لخدمة أغراض دنيوية رخيصة. 

وأعترف أني كنت واحدة من هؤلاء الغاضبين، أعترف أني لم أفرق بين فضيلة الإمام أحمد الطيب وبين من سبقوه إلى هذا المنصب، فقد تحول الأزهر على أيديهم لمجرد أداة في يد النظام السياسي الحاكم وفقد شخصيته وهيبته في أعين كثيرين من أبناء جيلي، ولم أكن أتخيل أن يأتي يوم يتولى قيادة الأزهر شيخ مثقف ومنفتح على العالم مثل الإمام أحمد الطيب، رجل يذكرنا بشيوخ عظام حفروا أسمائهم في سجلات التاريخ.  

أعترف أني كنت في غفلة عن هذا الكنز الفكري والمتعة العقلية اللامحدودة اللتي يفيض بها فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب كلما تحدث! في يوم زيارة بابا الفاتيكان لمصر قبل ثلاثة أسابيع، استمعت لكلمة الإمام الطيب وكأني أسمعه لأول مرة، أبهرني طلاقته وحسن منطقه، مثلما أبهرني في أول مرة أستمع له في مطلع الألفينات عبر التليفزيون المصري، قلت لنفسي "هذا ليس شيخ، هذا نبي" ولما لا؟ فالعلماء هم ورثة الأنبياء، لكن يبقى هذا اليوم، يوم لقاء فضيلة الإمام الأكبر مع بابا الفاتيكان كان له وقعاً مختلفاً تماماً في نفسي تجاه الدكتور أحمد الطيب. 

قضيت الأيام التالية اقرأ في سيرة الفيلسوف أحمد الطيب وأتصفح كل ما تيسر لي من مؤلفاته بشوق ونهم، وأشاهد كل ما هو متاح على الأنترنت من لقاءات تليفزيونية ثرية جداً معه، ودون أن أشعر وقعت في حبه، أغرمت به!

أحببت فيه العالم المعتدل، المفكر المتنور، القائد الحكيم، المصري المحب لوطنه، والمسلم التقي النقي القلب، وفوق كل هذا وذاك، وقعت في غرام الفيلسوف الذي يخبئه الإمام الطيب في داخل طيات روحه، وارتبطت به أشد ارتباط، ففتح أمامي أبواباً من التفكر والتبصر وأخذ عقلي وقلبي إلى حدود ما كنت أتخيل أن أصل إليها ما حييت. 


لقد أنعم الله على المسلمين بأن خلق فيهم رجلاً بهذا العُمق والعلم والبساطة، وخص مصر بشرف أن خلقه من ترابها، إنه الفيلسوف الطيب إسماً وخلقاً وسيرةً، فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر.



Wednesday, April 05, 2017

بعد لقاء السيسي وترامب... مصر في المثلث الأقوى أثراً على العالم


إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع هي زيارة تاريخية بكل المقاييس، ليس فقط لأنها أتت بعد أربعة عقود من الشد والجذب بين الطرفين، أو لأنها الأولى التي نلحظ فيها تلك الحفاوة والإعجاب من قبل رئيس أمريكي برئيس مصري منذ السادات، وليس لأنها الأولى التي تقترب فيها مصر من أمريكا كشريك ذو رؤية ومصالح واضحة يتفاوض بشأن تحقيقها، ولكن لأن نجاح هذه الزيارة يرسم شكلاً جديداً لكوكب الأرض تحت مثلث القوى الأكثر تأثيراً في عالمنا اليوم.

هناك ثلاث زوايا لهذا المثلث، أولها بيد الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأعظم والمتحكم الرئيسي في كل المجريات السياسية والاقتصادية التي تسير عالمنا، وثانيها بيد روسيا، التي لها نفوذ كبير عبر قوتها العسكرية والناعمة أيضاً على كل ما هو شرقي، بدءاً من شرق أوروبا إلى شرق منطقتنا أيضاً، لدى روسيا علاقات ومصالح مؤثرة مع إيران وسوريا وكثير من دول الخليج العربي، وثالث هذه الزوايا قد أصبح اليوم وبعد هذه الزيارة الناجحة بيد مصر، الأخت الكبرى للدول العربية وأفريقيا شمالاً وجنوباً، وصاحبة العلاقات المتميزة مع دول أوروبية في حوض البحر المتوسط ووسط أوروبا. 

لقد أثبت التاريخ، وتجارب الحاضر أيضاً، أن مصر هي الحليف الشرق أوسطي الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فقد سبق وحاول أوباما ومن قبله بوش الرهان على دول أخرى مثل السعودية لما تتميز به من ثروات نفطية ونفوذ واحترام كبيرين في الخليج، لتحل محل مصر في لعب هذا الدور القيادي في المنطقة ولم يجنيا ثماراً تذكر. 

إن على مصر دور كبير كطرف ثالث في هذه المعادلة، أولاً من حيث ضرورة إعادة ميزان الأمور لنصابها الصحيح، مصر الآن هي حليف لا يمكن الاستغناء عنه للطرفين الأمريكي والروسي، والطرف الضامن لاستقرار العلاقة بينهما في مواجهة عدو مشترك هو الإرهاب، وثانياً فمصر أيضاً هي الآن الضامن الحقيقي لأن أي من القوتين العظمتين لن يجور على حقوق المواطنين الأبرياء في منطقة الشرق الأوسط لتحقيق مكاسب سياسية لأي من الطرفين، خصوصاً بعد ما رأيناه من حالة العناد التي كانت تسيطر على الطرفين الروسي والأمريكي بشأن الموقف من سوريا والحرب على داعش على الأراضي السورية والعراقية، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب في ليبيا. 

كل هذا يشكل تحدي جديد لمصر، التي ما زالت تحارب على جبهتها الداخلية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، والرئيس السيسي وجيشنا العظيم ليسا وحدهما في مواجهة هذا التحدي، بل نحن أيضاً كقوى شعبية وأحزاب سياسية ومجتمع مدني شركاء فيه، وعلينا أن ندرك حجمه وخطورته، بأن نركز جهدنا فقط على ما يبني لبنات المستقبل ولا نحمل الدولة أعباء أكثر مما تحتمل الآن، بما يمهد الطريق للقيادة السياسية لتحقيق كل الأمال المعقودة عليها.