Tuesday, June 21, 2022

مصر: هل تتسبب الأزمة الاقتصادية في غضب شعبي على الرئيس السيسي؟

 


في ظل الضغوط الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصري، وما يرتبط بها من حالة عدم اليقين بشأن موعد انتهاء الحرب، عادت قضية شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي تحت الأضواء بقوة. فهل هي مجرد عودة لتصفية معارك إعلامية وسياسية مؤجلة بين مؤيدي السيسي ومعارضيه، أم أنها إنذار حقيقي يجب أن تأخذه الدولة المصرية على محمل الجد؟

كانت آخر مرة تم فيها إجراء استطلاع للرأي العام المصري، بواسطة مركز أبحاث مستقل أو حكومي، حول الرضاء الشعبي عن أداء الحكومة أو رئيس الدولة، في عام ٢٠١٦، قبل أسابيع من إطلاق البرنامج الوطني للإصلاح الاقتصادي، والذي تمت مواجهته بحملات إعلامية منظمة وقتها، خصوصاً في الإعلام الغربي. وقد تم استخدام هذه الاستطلاعات بشكل أساسي كأدوات في الحرب الإعلامية بين المؤيدين والمعارضين لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في ذلك الوقت، ولم تكن تعكس، رغم عنوانها، حقيقة درجة الرضاء الشعبي عن الرئيس آنذاك. 

لكن هذه المرة، هناك حالة من القلق العام، يشترك فيها محللين وإعلاميين، بعضهم مصريين وعرب، خوفاً من أن الضغوط الاقتصادية الحالية قد تثير احتجاجات شعبية قد تجدد حالة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها البلاد في أعقاب ثورات الربيع العربي، وربما الأمر الذي يفاقم من هذه المخاوف، هو أن الرئيس المصري، نفسه، قد عبر علناً عن أنه يحمل نفس المخاوف. 

عندما كان يفتتح مشروعاً للإنتاج الحيواني، في محافظة المنوفية، يوم ١٣ يونيو، قال الرئيس المصري في حديث تم بثه على الهواء مباشرةً أنه يخشى أن زيادة الضغط على المواطنين قد يضر بحالة الاستقرار الذي تعيشها البلاد، قائلاً: "هنا، لم يعد الموضوع مجرد اتاحة فرص للاستثمار، هنا الموضوع الذي أتكلم فيه مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والحكومة أصبح عن المحافظة على حالة الاستقرار في البلد، لأن المواطن لو زاد الضغط عليه، ماذا نتوقع أن يفعل؟" ثم استطرد السيسي: "أنا لا أقول استقرار من أجل مصلحة شخصية، عندما أتكلم عن الحفاظ على حالة الرضاء المجتمعي، فأنا لا أستهدف من ذلك حفظ النظام أو حفظ الرئيس في منصبه، ولكن أنا أتكلم عن حياة ١٠٠ مليون مواطن معرضة للضياع لو حدث أي أمر (يقصد مظاهرات شعبية) بسبب أن الناس غير راضية".

منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، في شهر فبراير، يعاني الاقتصاد المصري من ضغوط كبيرة، بسبب التراجع الحاد في نسبة إقبال السياح من شرق أوروبا على منتجعات البحر الأحمر، وتعطل سلسلة الإمداد الغذائي، خاصة فيما يتعلق بواردات القمح، والارتفاع الحاد في أسعار صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي بسبب السياسات الدولية لاحتواء معدلات التضخم العالمية غير المسبوقة. دفع هذا المحللين، في وسائل الإعلام الشرقية والغربية، إلى طرح تكهنات جامحة حول إمكانية الإطاحة بالرئيس السيسي من خلال ثورة شعبية مماثلة لتلك التي أطاحت بنظام مبارك من السلطة، في عام ٢٠١١. إلا أن النظر بشيء من المنطق، وبشكل محايد تماماً، في أسباب الأزمة الحالية، وأداء الحكومة المصرية في احتواء تداعيات الأزمة، وفهم طبيعة الديناميكية السياسة في مصر، يثبت عدم مصداقية هذا السيناريو المظلم.

صحيح أن الشعب المصري محبط للغاية من الانحدار الاقتصادي، الذي جاء في وقت كان ينبغي فيه أن يحصد الشعب ثمار برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل الذي كان يتطور بنجاح مشهود على مدى السنوات السبع الماضية. لكن، الأمر لا يتجاوز مرحلة الإحباط، بمعنى أن الشعب ليس غاضب على الحكومة أو الرئيس كما يدعي البعض. لا تزال رابطة الثقة بين عامة الشعب وقيادة الرئيس السيسي قوية، ولا يزال المواطنون على مستوى القاعدة الشعبية يعتقدون تماماً أن السيسي ليس رجلاً فاسدًا، مثلما كان مبارك مثلاً، وأنه يعمل بإخلاص من أجل مصلحتهم، وليس لصالح نخبة خاصة في بلاطه. كما أن الغالبية العظمى من فقراء المواطنين الذين استفادوا من مبادرات السيسي الاجتماعية والاقتصادية، مثل برنامج "حياة كريمة"، يعرفون بالتجربة أن قيادة السيسي تهتم بحمايتهم.

قد لا يكون من المبالغة الادعاء بأن القيادة السياسية المصرية يمكن أن تستفيد من الأزمة الاقتصادية الحالية في زيادة شعبيتها بين المواطنين، وبالتالي تجنب سيناريو تعريض الاستقرار السياسي، الذي تم تحقيقه بشق الأنفس، للخطر. مفتاح التغلب على الأزمة الاقتصادية الحالية، فضلا عن جميع الأزمات المحتملة في المستقبل، هو أن تتخلى الحكومة عن نهجها المركزي، في المسارين المتوازيين، الاقتصادي والسياسي، وفتح مساحة أكبر للقطاع الخاص والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني لتقاسم الأعباء وكذلك الأرباح مع الدولة. ولقد بدأت الحكومة المصرية بالفعل في اتخاذ خطوات غير مسبوقة في هذا الاتجاه. 

على الرغم من الانتقادات الشديدة من بعض أعضاء البرلمان ذو التوجه الاشتراكي، فإن الحكومة المصرية مصممة على المضي قدمًا في خطتها الطموحة لتحرير الاقتصاد، بينما تراوغ رياح الحرب الروسية الأوكرانية. تتمثل الخطة في تقليص مشاركة الحكومة في السوق كمنافس، من أجل إتاحة مساحة كبيرة تصل إلى ٦٥٪ للقطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب للتنافس على العديد من الفرص المربحة التي يقدمها السوق المصري الضخم. تأمل الحكومة أن تجذب هذه الإصلاحات الاقتصادية الشاملة استثمارات أجنبية بقيمة ٤٠ مليار دولار على مدى الأربع سنوات المقبلة.

كان رد الفعل الأولي للمستثمرين الأجانب والمقرضين الدوليين على هذه الخطوات الشجاعة من قبل الحكومة المصرية واعدًا للغاية. في أقل من شهر، منذ أن أعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن خارطة الطريق لفتح السوق، تمكنت الحكومة من عقد صفقات استثمارات مستقبلية مع مستثمرين أجانب ومقرضين دوليين، يصل مجموعها إلى أكثر من ٣٠ مليار دولار. علاوة على ذلك، بدأ مستثمرو "الأموال الساخنة"، الذين فروا من البلاد في العامين الماضيين، بالزحف إلى طريق العودة للاستفادة من الفرص الجديدة.

بالإضافة لما سبق، أعلن الرئيس المصري، يوم ١٧ يونيو، في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، أن مصر تتوقع زيادة في معدل النمو الاقتصادي بنسبة ٥,٥٪ مقارنة بـ ٣,٣٪ في عام ٢٠٢١، وأن الصادرات غير النفطية من مصر ارتفعت إلى ٣٢ مليار دولار في الربع الثاني من العام الجاري، على الرغم من التأثير الكبير للأزمات العالمية على الاقتصاد المصري، بما في ذلك الأزمة الاقتصادية العالمية حول الحرب الروسية الأوكرانية وكذلك الشلل الاقتصادي العالمي في بداية جائحة كورونا. 

لذلك، يجب على الدولة المصرية ألا تسمح لنفسها بالقلق من أو اللهث وراء ادعاءات بعض الكتاب أو الإعلاميين عن تراجع معدلات رضاء المواطنين عن رئيس الدولة. حتى هذه اللحظة، لا يوجد مسح إحصائي أو بيانات موثوقة تثبت ذلك أو تنفيه. لكننا نعلم على وجه اليقين أن المواطنين ليسوا غاضبين على الرئيس السيسي أو الحكومة، بقدر ما هم يشعرون بحالة من الإحباط المركب بسبب التراجع الاقتصادي الذي أتى في وقت خاطئ تماماً. 

هناك فرق شاسع بين أن يكون المواطن "غاضباً" أو "محبطاً". في الحالة الأولى، يكون ذلك علامة على فشل الدولة والحكومة، وبالتالي يتطلب تغيير النظام السياسي بالكامل. أما في الحالة الثانية، وهي القائمة الآن في مصر، فإن القيادة السياسية ورئيس الدولة ما زالوا محل احترام وتقدير لدى المواطن، ومن ثم يجب عليها أن تجد طريقة لتحويل إحباط المواطنين هذا إلى قوة دافعة تغذي التغييرات الإيجابية التي تعيد الأمل في النهاية إلى قلوبهم. هذا بالضبط ما يجب أن يركز عليه الرئيس السيسي وإدارته في الفترة المقبلة.