Wednesday, April 06, 2022

مصر بين إسرائيل وإيران

 


في ظل التحولات الجيوسياسية الكثيرة والكبيرة التي تعيد تشكيل منطقة الشرق الأوسط منذ فترة، تتبنى مصر سياسة خارجية هادئة تهدف إلى تحقيق التوازن في كافة علاقاتها الدولية والإقليمية، معتمدة مبدأ السلام مع الجميع بلا استثناء، وعدم الحاجة لتحميل الحاضر والمستقبل فاتورة الصراعات التي مضت. لكن عندما يأتي الأمر لملف إيران، وتهديدها المباشر لمصالح الدول الشقيقة لمصر في منطقة الخليج، وكذلك لإسرائيل التي أصبحت في السنوات الأخيرة من أهم الحلفاء الإقليميين بالنسبة لمصر، على المستوى الاقتصادي والأمني، تصبح مسألة إمساك العصا من المنتصف معقدة بعض الشيء.

شاركت مصر في قمة النقب التاريخية، التي استضافتها إسرائيل في الأسبوع الأخير من شهر مارس، وركزت بشكل أساسي على ردع التهديدات الإيرانية على الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط. من بين جميع التحولات الرئيسية في البناء الجيوسياسي والأمني في الإقليم، والتي تعتبر هذه القمة أحد دلائلها، تبرز حقيقة أن مصر أصبحت تشارك بشكل فعال وحاسم في العمل الإقليمي ضد إيران، على عكس موقفها المحايد أو المتساهل تجاه إيران في الماضي، وهو ما يستدعي التوقف لحظات لفهم أسبابه ودوافعه وتأثيره على المستقبل بالنسبة لمصر أو بالنسبة للمنطقة ككل.

استضاف وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، في الفترة من ٢٧ إلى ٢٨ مارس، نظرائه من مصر والمغرب والبحرين والإمارات، في قمة تاريخية لمناقشة مستقبل الشرق الأوسط، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية والعالمية. اختارت إسرائيل أن تعقد القمة في مستوطنة سديه بوكير الواقعة في صحراء النقب التي ترتبط جغرافياً وتاريخياً بشبه جزيرة سيناء في مصر. فسر البعض اختيار الموقع على أنه كان لزاماً اختيار مكان بعيد عن المدن الرئيسية المتنازع عليها مع الفلسطينيين، مثل مدينة القدس. 

لكن يبدو أن إسرائيل كان لديها رسالة تريد إيصالها من خلال اختيار هذا الموقع تحديداً، حيث أنه يبعد عن مقبرة ديفيد بن جوريون، مؤسس الدولة في إسرائيل، بضع كيلومترات، وهو ما يؤكد بشكل غير مباشر الهدف العام من القمة، وهو استعراض قوة إسرائيل في مواجهة إيران، لا سيما وسط قبول عربي واسع لها، بل احتضان، يحل محل تاريخ طويل من الصراعات بينها وبين جيرانها العرب.  

ربما تكون كلمة وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، في ختام قمة النقب هي أكبر تجسيد على التوجه العربي مؤخراً على احتضان إسرائيل كجزء من الشرق الأوسط، حيث قال: "مع الأسف أضعنا الأعوام الثلاثة والأربعين (أي منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في السبعينات). خسرنا على مدار هذه الأعوام فرصة التعرف على بعضنا البعض بشكل أفضل والعمل معاً، وتغيير السردية التي نشأت عليها أجيال من الإسرائيليين والعرب. ما نحاول بلوغه اليوم هو تغيير هذه السردية وخلق مستقبل مختلف. إسرائيل جزء من هذه المنطقة منذ وقت طويل لكننا لم نتعرف على بعضنا البعض لذلك حان الوقت لتدارك ما فاتنا".


شارك في القمة، وزير خارجية الولايات المتحدة، أنتوني بلينكين، حاملاً رسالة من البيت الأبيض تؤكد أن الولايات المتحدة ستعمل دائمًا مع شركائها الاستراتيجيين في الشرق الأوسط، من أجل إبعاد التهديد النووي المتمثل في إيران، حتى على الرغم من مجهودات الإدارة الأمريكية للرئيس بايدن المتواصلة في التودد إلى إيران من أجل توقيع الاتفاق النووي التي تعتبره إسرائيل ودول الخليج العربي تهديد لأمنها القومي. قبل قمة النقب، حاول وزير الخارجية الأمريكي بلينكن طمأنة رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، أن الصفقة مع إيران لن تؤثر على التزام الولايات المتحدة بحماية الأمن القومي لإسرائيل أو الحلفاء الإقليميين الآخرين، حيث قال بلينكين "سواء تم الاتفاق أو لم يتم، سنواصل العمل سوياً ومع شركائنا الآخرين لمواجهة سلوك إيران المزعزع للاستقرار في المنطقة". 

لكن، في واقع الأمر، فإن تصرفات الولايات المتحدة تعطي رسالة متناقضة تماماً مع ما قاله بلينكن، لا سيما فيما يتعلق بإصرار إدارة بايدن على إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وقبل ذلك إعفاء مليشيا الحوثي في اليمن من نفس القائمة. وهو الأمر الذي دفع أغلب دول المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، للتخلي عن الصراعات المباشرة أو الإقليمية الشاملة فيما بينهم والبحث عن السلام والتعاون الذي من شأنه تقوية موقفهم في مواجهة العدو المشترك، إيران، بأنفسهم دون الاعتماد على الولايات المتحدة للتدخل كما جرت العادة في الماضي. وبالتأكيد، مصر ليست استثناء من ذلك الحراك العام نحو التآزر بين دول المنطقة. 

على الرغم من العلاقات الدبلوماسية المعلقة منذ عقود مع إيران، كانت مصر دائمًا حريصة على عدم الدخول في حالة عداء مباشر مع إيران، معتبرة أن التباعد الجغرافي فيما بينهما كافياً لتجنب شرور إيران التي ظلت لسنوات طويلة لا تستهدف سوى إسرائيل، وهو أمر كانت تشجعه الكثير من الدول العربية نظراً للصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل. ولكن تغيرت الأمور كثيراً في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وتوسع التواجد الإيراني، إما بشكل مباشر أو عبر وكلاء وميليشيات في منطقة الشام ثم في منطقة الخليج، ومع مرور الوقت أصبحت تشكل تهديد حقيقي على الأمن القومي لأهم الدول الحليفة لمصر في منطقة الخليج، السعودية والإمارات. 

من المبادئ التي يكررها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، باستمرار أن "أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من أمن مصر"، إذ لا يمكن إنكار حقيقة أن السعودية والإمارات كانتا أكبر داعمتين لمصر، على مدى العقد الماضي في التعامل مع أثار الربيع العربي، لا سيما فيما يتعلق بضمان الاستقرار الاقتصادي لمصر الذي يعد أمر حاسم للحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني في مصر. ونفس الموقف الكريم، خصوصاً من جانب السعودية، يتكرر الآن في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر من جراء الغزو الروسي لأوكرانيا.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت إيران تشكل تهديد على أمن مصر واقتصادها، وإن كان بشكل غير مباشر، عن طريق استمرارها في تهديد أمن إسرائيل، التي أصبحت أحد أهم الحلفاء الاقتصاديين والأمنيين لمصر في السنوات القليلة الماضية، من خلال التعاون الكبير فيما بينهما في قطاع الطاقة في شرق المتوسط، وكذلك التعاون في القطاع الأمني في مواجهة التهديد الإرهابي في شبه جزيرة سيناء، وهو بالتأكيد ما استدعى وقوف مصر بشكل صريح في صف الخليج وإسرائيل في مواجهة إيران. 

وفوق كل ذلك، بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، بشكل متسرع وفوضوي، في أغسطس الماضي، أصبحت هناك رغبة متزايدة لدى دول الشرق الأوسط، على المستويين الرسمي والاجتماعي، في أن يتولى زعماء المنطقة قيادة مستقبلها، بغض النظر عن شخصية وتوجهات من يحكم البيت الأبيض في واشنطن. ولتحقيق ذلك، أصبح التعاون بين جميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل، أمر حتمي، خاصة وأن التهديدات الداخلية أو الخارجية التي تواجه المنطقة لا تفرق بين العربي أو غير العربي.

من هذا المنطلق، ليس من المستغرب أن تتخذ مصر، في الوقت الحالي، موقفاً أكثر صرامة ووضوح في الوقوف إلى جانب إسرائيل ودول الخليج العربي ضد إيران. من خلال المشاركة النشطة في قمة النقب، وأيضاً من خلال استضافة مسؤولين إسرائيليين كبار قبل القمة، بما في ذلك مسؤولين إسرائيليين من القطاعات الأمنية والمخابراتية، وهو ما يؤكد على حقيقة أن مصر أصبحت عنصر رئيسي في التكتل الإقليمي العازم على مواجهة إيران.